في الزمن الشفاف، وفي المكان الطري، في زمان اللا زمان، وفي مكان اللا مكان،
أعطى الله الحسين من العرش ظلَّه..
اتخذ مجلساً.. هو يوم القيامة.. يحمل الباكون معهم دموعهم وثيقة حبهم له.. يحلقون حوله، وينشغلون بنوره، بل يذوبون فيه، "إنه الحسين"..
مشتاقون هم دائماً إليه لم تكفهم الدنيا فأكملوا الحبَّ في الآخرة.. هو الحبَّ الأزلي..
كان السؤال دائماً يتحداهم: لو خيرتم بين الحسين والجنة ماذا تختارون...؟
يضحكون من أنفسهم، هو سؤال إجابته بديهية، إذاً فلا يُطرح على من لا يجد إلا الحسين..
نريد الحسين، لا نريد الجنة إلا به.. نسوا أنفسهم.. ذابوا في حديثه..
أزواجهم في الجنة ينتظرونهم.. فيرسلون لهم.. فيأبون.. ويختارون مجلس الحسين.
"يا للحسين"..
لولاه كان العرش عاطلا، وما كانت له من زينة بها سما..
ولئن جرت علينا الدواهي أن نقارن بين الحسين "عليه السلام" وغيره فهذا من الجور الأعظم للتاريخ الأصم، والأبكم، والأعمى، ولكن لنذكره حتى نسمع ونتكلم ونرى..
مدحه جده الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" بمدائح عجيبة، قال له يوماً:
"مرحبا بك يا زين السموات والأرض، وقال أُبي بن كعب: وهل غيرك زين السموات والأرض؟ فقال: يا أُبي والذي بعثني بالحق نبياً إن الحسين بن علي في السموات أعظم مما في الأرض وقد كتب الله في يمين العرش (إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة)".
قالها جده الأعظم "صل الله عليه وآله": "هو في السماء أعظم"
فالسماء مسكن الملائكة..
والحسين مختلف الملائكة، ومعراجاً يعرج فيه بأعمال زواره.
وجعل الله السماء مصعداً لجسد الحسين "عليه السلام" يوم قتله وجعلها باكية بالدم والتراب الأحمر والحمرة.
اللهُ أيُّ دمٍ فـي كربـلا سُفِـكـا لم يجر في الارض حتى اوقف الفلكا
(عجز هذا البيت منقوش على باب المذبح المقدس).
السماء معدن الفيوض الربانية، والحسين معدنها بنحو أسهل حصولاً وأيسر أسباباً.. وأعظم تأثيراً،
السماء معراج الأنبياء، وكربلاء معراج الملائكة،
السماء فيها البراق أوصلت راكبها إلى قاب قوسين أو أدنى، وكربلاء فيها ذو الجناح أوصل راكبه إلى مرتبة "وأنا من حسين" لكن بسقوطه عنه،
إن للحسين على طبق ما أعطي السموات السبع وما فوقهن.. أفضلها فانظر،
واستمع لما يتلى عليك..
فالسماء محل صعود الدعاء واستجابته، والحسين اسمه محل استجابة الدعاء كما تحقق ذلك في دعاء آدم، وزكريا، وغيرهم من المتوسلين بالخمسة.
(وهم خير من تحت السماء بأسرهم وأكرم من فوق السماء وأشرف)
والسماء قد سجدت فيها الملائكة لآدم، والأنبياء على جسد الحسين.
أفلم تنظروا إلى الحسين؟
هو في السماء أعظم..
فارجع البصر، ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير ووقعه عزيز.
أنظر إلى السماء أولاً في أوضاعها، وزينتها، وتأثيرها، ومن حلَّ فيها، ثم انظر إلى الحسين ومدفنه في كربلاء، موقفه، ومشاهده، وزينته، ومصابيحه حوله رجوماً للشياطين، ونوره، وضياؤه في السماء عرش عظيم..
وفي كربلاء زينة العرش العظيم..
(وفي السماء رزقكم وما توعدون).
في السماء رزق الحياة الزائلة في الدنيا والحسين فيه رزق الحياة الدائمة وما توعدون به من الفوز بالجنات والدرجات.
السماء فيها الشمس، ويعرضها الكسوف، وشمس وجه الحسين، وضحاها حين اشتد عليه الأمر، وكان كلما قرب الأمر أشرق لونه، حتى مدحه قتلته حين وقفوا لمبارزته وأشهدهم، ومدحه شمر قاتله حين قال له: كفؤ كريم ليس القتل بيده عاراً، ومدحه سنان حين اشتغل بقتله فقال:
أقتلك اليوم ونفسي تعلم علما يقينا ليس منه مكتم..
ولا مـجــــال لا ولا تـكــتـم إن أبــاك خـيــر مـن تـكــلم..
لعمري فان الملائكة بخدمته يتفاخرون..
إنه الحسين..
تفاخر إسرافيل على جبرئيل بأنه صاحب حملة العرش والصور، وإنه أقرب الملائكة مكاناً، فافتخر جبرئيل بأنه أمين الوحي والرسول إلى الرسل، وصاحب القذف والخسف، والصحة والزلازل، فتحاكما إلى الله، فأوحى إليهما اسكتا، فوعزتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما، فقالا: أ يكون ذلك وقد خلقتنا من نور عظمتك؟
فنظرا إلى ساق العرش، فإذا هو عليه (لا إله إلا الله محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين خير خلق الله) فعند ذلك خجلا..
فقال جبرائيل: يا رب أسألك بحقهم عليك إلا جعلتني خادمهم..
فاستجاب الله له، فكان خادماً لهم، وخاصة للحسين "عليه السلام" فإنه يحرك مهده ويناغيه ويقول:
إن في الجنة نوراً من لبن لعلي وحسين وحسن..
كل من كـان محبــاً لــهم يدخل الجنة من غير حزن..
إيه أيها الحسين..
أتكون الياء -مضفورة عليك- شامة من عنبر في غنجة التصغير؟ أم أنها دعجة العين، يتم بها التصوير، والتحضير، والتكبير؟
يا للياء الرخيمة!
كأني هكذا- أراها ترخم، بك وترسم فيك- وكأني أسمعها تقول :هل أنت مصغر الاسم المطيب بالبلسم؟
يا ابن الطيبين!
………………….
المراجع:
١.الخصائص الحسينية / آية الله الشيخ التستري(قده).
٢.الإمام الحسين عليه السلام في حلّة البرفير /سليمان كتاني.
٣. ديوان العلامة الجشي.
٤. ديوان السيد حيدر الحلي.
٥. ديوان السيد جعفر الحلي.
