تتنوّع أساليب التّعبير القُرآني في الوصف والتّصوير ولاسيّما الآيات القُرآنيّة التي تتناولُ وصف الجنّة والنّعيم؛ لما يُحدثه التّصوير من أثر بالغ في النّفس التي تنزعُ بطبيعتها إلى رؤية الأشياء واضحة أمامها بطريقة حسّية، فالتصوير يُمثّل عنصر إقناع فعّال فضلاً عمّا يؤديه من جمال فنّي، إنّ المُتأمل في آيات وصف النّعيم يلحظ طبيعة الصّورة المونتاجيّة القائمة على تصوير المشاهد تصويرًا شاملًا مفصلًا، فيبدو متلقّي الآيات القُرآنيّة وكأنّه يشاهد فيلمًا سينمائيًا مُتحركًا منتظمًا؛ نظرًا للتعبير البليغ المُتجلّي بالمونتاج الذي يعد مرحلة قطع لقطات الصّورة المُتحركة بطريقةٍ خلّاقة، فالمونتاج عنصر من عناصر تكوين الصّورة وهو العنصر الأهم إذ إنّه يعتمد على انسجام النّص وتناسق أطرافه وترتيب اللّقطات المختلفة فيه من التّصوير المشهدي التي لو قُدّمت كلّ صورة منها منفردة لما أعطت معنى تامًا، ويعتمد المونتاج على الحركة داخل النّص من صور و إيقاعات ومعان وألوان تتشكّل كلّها لتقديم لقطات دهشة وصدمة نفسيّة للمتلقّي تجعله يتوق إلى إكمال المشهد المُصوّر والتّأثر به بغية الوصول إلى الاطمئنان الرّوحي، الذي تطلع له النّفس فتهش به وترق، فالمونتاج هو من يغذي النّص بالحيويّة ولطف الاستدراج والصّور التي تحث على سعة التّخيل، إنّ المُتأمّل في الآيات القرآنيّة الآتية يلحظ أهمّية الدّور الذي أداه المونتاج في تسلسل المشاهد بطريقة مترابطة بالإيقاعات والحركات والقطع والصّمت بين حدث وحدث ولكنه صمت وقطع منظم يتناسب مع المعنى المُصاغ من أجله كما في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ*لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ*فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ*لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً*فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ*فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ*وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ*وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ*وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾( )، تصف الآية القرآنيّة حال السّعداء يوم القيامة الذين يعرفون بالنعيم من ملامح وجوههم، فتصوير حال الوجوه هنا لقطة مونتاجية تتلوها لقطات أخرى تتمثّل في قوله تعالى: (في جنة عالية) ثم في قوله (فيها عين جارية، فيها سرر مرفوعة...) وبذلك ينتقل ذهن المُتلقّي من مشهد من مشاهد وصف الجنة إلى مشهد آخر، حتى تتكامل الصّورة عن ذلك النّعيم الموعود.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾( )، تتضح في الآيات القُرآنيّة صفات النّعيم التي يتمتعُ بها الأبرار وقد قسّمتها الآية على ثلاثة أقسام يمكن عدّها مشاهد مونتاجية بامتياز: وهي (على الآرائك ينظرون) و(تعرف في وجوههم نظرة النّعيم) و(يسقون من رحيق مختوم) فقد صوّرت الآية القرآنيّة حال الأبرار من زوايا نظر مشهديّة مختلفة فمرّة صوّرت جلستهم على الآرئك ومرّة ملامح وجوههم المُنعّمة ومرّة أخرى سقيهم من الرّحيق المختوم الذي قال فيه القفال: (يحتمل أنْ هؤلاء يسقون من شراب مختوم قد ختم عليه تكريمًا له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر آخر تجري منها أنّها كما قال تعالى (وأنهار من خمر لذة للشاربين) إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا﴾( )، تتمثّل في هذه الآيات القُرآنيّة العديد من الصور المشهديّة التي وظفت معانيها عن طريق المونتاج في وصف حال المُنعّمين في الجنة، فالصورة الأولى يطوف عليهم ولدان مخلدون شبهتهم الآية الكريمة باللؤلؤ المنثور وذلك لأن اللؤلؤ حين يكون منثوراً يبلغ الغاية في بهاء المنظر والرّوعة؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض وقد وصفت الآية خدم أهل الجنة من الولدان وبالتأكيد فإن صورة المخدومين أجل وأعظم، ثم انتقلت لرسم مشهد آخر يخص المنعمين بالجنة وطريقة عيشهم وما يتمتعون به من ملبس ومأكل، وقد وظفت مشاهد النّعيم المونتاجيّة فضلًا عن الحركة والإيقاع بالألوان التي تتابعت في المشاهد بطريقة متناسقة مُنظّمة.