لا تقف العقبات في وجه الإنسان الطموح، فمهما تلاطمت أمواج الحياة حوله ، تسلق الصعاب سلمًا يرتقي به نحو المجد .
لا تخلو المدن والقرى من أولئك الذين لايعرفون للحدود معنى ،و يثبتون أن الإرادة أقوى من كل عائق وإن العزم قادر على تحويل اقسى الملمات إلى منارة للعلم.
من هنا يبدأ مشهد حياة الشيخ عباس بن عواد الخويبراوي الناصري، الذي رغم بساطة الموارد ومرارة الحياة لم يسمح للظروف أن تقيد جناحيه بل جعلها دافعًا للسعي إلى طريق العلم والإصلاح فكان مثلًا حيّّا على أن الإرادة لاتعرف المستحيل.
ولد الشيخ عباس بن عواد الخويبراوي عام ١٨٩٢م في قرية الفريحي بمدينة الناصرية ، ونشأ في كنف أسرة عريقة... إن (ال خويبر) هم فرع من عشيرة الجوابر ، و يقطنون في مدينة الناصرية منذ مئات السنين
كان والده كبير عشيرة الجوابر وعميدها. توفي وكان عباس في سن العاشرة ، إلا أن الفطنة وعلو الهمة رافقته منذ نعومة أظفاره ، فعرف بين إخوته وعشيرته بذكائه الفطري وعمق ادراكه، حتى عرضت عليه رئاسة العشيرة ، لكنه فضل التفرغ للعلم والدراسة ، فتوجه إلى الحوزة العلمية في النجف الاشرف واضعًا نصب عينيه أن ينحت لنفسه طريقًا مختلفًا عن الزعامة الاجتماعية التقليدية.
انتقل الشيخ عباس إلى النجف وانغمس في الدراسة منذ صباه متنقلًا بين المدارس الدينية وحلقات العلم، يلاحق الدروس و طلبة العلم بحماسة لاتعرف الملل، وقد تميز نبوغه بين أقرانه، فاحتضنته الحلقات العلمية، وأضحى مؤهلاً لحضور الأبحاث العالية في الفقه والأصول على يد كبار علماء عصره، منهم السيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ محمد تقي الشيرازي، والسيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ عبد المحمد زاير دهام، والسيد محمود الشاهرودي، والشيخ محسن الحكيم
وقد درس الشيخ عباس في تلك المرحلة بجد واجتهاد، متحديًا صعوبات الحياة، حتى أن عدم امتلاكه للكتب لم يمنعه من التعلم، إذ كان يتبادل الكتب مع زملائه في حلقات العلم، في مزيج من الصبر والاجتهاد .
عاد الشيخ عباس إلى الناصرية عام ١٩٢٩م بعد أن طلب أهالي مدينته من المرجعية الدينية في النجف الاشرف عودته ، ليشرع في خدمة أهله ومجتمعه.
تميزت مسيرت الشيخ عباس بأدوار سياسية واصلاحيه وثقافية بارزة ، فقد شارك في حصار النجف ١٩١٨م ووقف مع ثورة العشرين ، وأيد الإضرابات ضد قانون رسوم البلديات، وكانت خطبه وقصائده السياسية تلقى في جامع الناصرية، لتستنهض جماهير المدينة نحو الوعي والمطالبة بحقوقها، متجاوزة العقبات التي واجهتها في تلك الحقبة العصيبة. كما كان له دور فعال في أحداث ١٩٣٥م في سوق الشيوخ وحركة مايس عام ١٩٤١م التي استهدفت إنهاء الوجود البريطاني في العراق ، فكان بيته مركزًا للثوار، وقد تعرّض للقصف الذي دمّر داره، لكنه ظل صامدًا في مساره الإصلاحي والسياسي.
لم يقتصر الشيخ عباس على السياسة، بل امتدت أعماله إلى الإصلاح الاجتماعي والثقافي. فقد كان يسعى لنشر العلم، لا للمسلمين فقط، بل شمل اهتمامه الجميع، حتى اليهود والنصارى والصابئة المندائيين، الذين وجدوا فيه الحماية والأمان، فعندما حصلت هجمات على الصابئة المندائيين في مدينة الناصرية في انتفاضة عام ١٩٣٥م ولثقتهم بالشيخ الخويبراوي جاءوا بصناديق أموالهم ونسائهم ليجعلوها أمانة عنده، فصنع من الصناديق سريرًا ينام عليه، وخصص مكانًا في بيته لنسائهم، فحمى بذلك أموالهم
واعراضهم حتى استردت الأمانة، فصاروا يقدرون شخصه ويحترمونه بشدة.
بتوجيهه الحكيم، بادر الشيخ عباس إلى إنشاء مشاريع علمية ودينية عديدة، منها جامع الشيخ عباس الكبير عام ١٩٣٢، والذي توسع لاحقًا ليصبح مركزًا للمحاضرات والندوات الدينية والثقافية، ومدرسة العلوم الدينية عام ١٩٤٥، التي ضمت بين جدرانها أجيالًا من العلماء والأدباء والشعراء. كما أسس مكتبة عامة باسم مكتبة الإمام الباقر، حول إليها جزءًا كبيرًا من مكتبته الخاصة الغنية بالمخطوطات والمطبوعات النفيسة .
تميز الشيخ عباس بمواقفه القوية ضد المد الشيوعي بعد عام ١٩٥٨م، مستمراً في دوره الإصلاحي والتثقيفي، مع تنظيم المحاضرات والندوات لتنوير عقول الشباب المؤمن، مسهمًا في بناء قاعدة فكرية وسياسية مهمة في الناصرية. وقد شارك في تأسيس جماعة العلماء في العراق، وجمعية التضامن الإسلامي، مسانداً جهود الإصلاح ورعاية الشؤون العامة وقضايا المسلمين.
ورغم كل هذه الإنجازات، ظل الشيخ عباس متواضعًا في حياته اليومية، محافظًا على قيمه وأخلاقه العالية، محبًا للعلم والحق، محافظًا على كرامة الناس وأمانتهم، صادقًا في مسعاه، لا يطلب إلا رضا الله وخدمة أمته.
تخرج على يده عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب والشعراء المعروفين، ومن الجنسيات المختلفة من العراقيين والإيرانيين ومن لبنان والبحرين والحجاز، وأما على مستوى محافظة ذي قار فمنهم آية الله الشيخ حسن مطر الناصري ، والشيخ أسد حيدر والشيخ محمد باقر الناصري، وممن حضر دروسه ولازمه مدة طويلة السيد عبد الزهرة الخطيب الحسيني، حضر دروسه عدد من الأدباء منهم الشاعر عباس ملا علي.
ألف الشيخ عباس مؤلفات عدة منها مخطوطة وأخرى مطبوعة على الرغم من الشواغل والالتزامات الدينية والاجتماعية التي اضطلع بها،ترك لنا عددًا من الآثار العلمية، أهمها: فوائد الناصرية في فقه الإمامية ، مفتاح القواعد في الأصول العقائد ،
و ديوان شعر مخطوط- يحوي قصائد ومقطوعات في مدح أهل البيت الله ورثائهم، إلى جانب قصائد قالها في الإخوانيات، والعرفان والأخلاق ، وكتاب الزبدة في المنطق، يضم تعليقات ونبذا من العلوم المختلفة من الفقه، وعلم أصول الفقه، واللغة والنحو، والبلاغة، والتاريخ، وعلم المنطق، والعقائد (مخطوط).وکتاب استدلالي جامع الأدلة حرمة حلق اللحية (مخطوط).
ورسائل وبحوث علمية وتعليقات متفرقة على بعض الكتب الفقهية في عصره لبيان وجهة نظره في الآراء الواردة فيها، (مخطوط).
وقد توفي الشيخ عباس الخويبراوي في مدينة الناصرية في الخامس من نيسان عام ١٩٦٧ م ، ونقل إلى مدينة النجف الأشرف ودفن بالصحن الحيدري الشريف، وقد خيم الحزن والأسى على مدن العراق وعشائره، وشارك كبار المراجع في التشييع، وعطلت الحوزة العلمية دروسها تكريمًا له، لتظل سيرته منارة للأجيال القادمة، ومثالًا للعلم والعمل والكرم والوفاء