لم تكن عاطفة المرأة بمعزلٍ عن التّفاعل مع الوقائعِ التّاريخيّة، ولا سيّماء الشّاعرة والأديبة، إذ عبّرت عن موقفها تجاه العديد من القضايا وأهمّها قضيّة الإمام الحسين (عليه السّلام)، وبذلك فقد تميّز النّص الشّعري النّسوي بزخم العاطفة، فضلًا عن التّفاعل الثّوري، والحسّ المُتوقّد تجاه الحقّ والدّفاع عن العدل، بالأدلة المُتكئة على التّناص مع الإرث العربي الدّيني والثّقافي، لإثبات أحقّية آل البيت (عليهم السّلام)، وللوقوف على أثر الإمام الحسين (عليه السّلام) في نفس المرأة، فقد رأت الشّاعرة بنبوغ حسّها الإبداعي في نهضة الإمام الحسين نبراسًا خالدًا مُتوقّدًا، فعمدت على بثّ مشاعرها العاطفيّة عن ذلك في الشّعر، والغوص في مداد الحرف للتعبير عن تلك المواقف التي مرّت على سيد الشّهداء، وما أبداه من كرم للدين الإسلامي، إذ تجلّى ذلك في تضحيته الجسيمة بالأموال والأنفس الشّريفة من أهل وأصحاب، حتّى صار رمزًا وعلمًا تستمد منه الأجيال قيمة الموقف ومعنى الثّبات، ما جعل تلك العاطفة تحمل بين طيّاتها إشارات واضحة عن ضرورة التّصدي للظلم أينما وقع، ورفض الاستجابة للباطل في أي موطن حلّ.
تميّز الشّعر الحسيني النّسوي بتدفّق العاطفة، وعمق الإحساس في التّصوير المشهدي، ولا سيّما ما يتعلّق بمواقف عائلة الإمام الحسين (عليه السّلام)، وشعورهم تجاه تلك الأحداث المُروّعة، ومن ذلك ما جسّدته الشّاعرة (إسراء العكراوي)( ) في نصها الموسوم (رحلةٌ إلى الحسين عليه السّلام) إذ تقول فيه:
((يا شبل طه.. ما يكون نشيدي..؟
وأراك تاريخًا .. يجولُ بخاطري
من دمعةِ الزّهراء في خدّيك حتّى
تستريح دموع زينب في زوايا البِيد
من مهدكَ الـ (جبريل) ..هزّ بكاءه
ولقمة الرّمح المُشاب بلوعتي
وبلوعة الأطفال تنحبُ في العراق
وأنت فوق الرّمح باقْ
وأنت فوق الفوق باقْ
تحكي السّماء حروف عزّك))( ).
تجمع الأديبة في هذا النّص بين الإنشاد العاطفي الدّيني، وبين مديح الإمام الحسين (عليه السّلام) ورثائه، و في استعمال ضمير المخاطب (أنت) دلالة على أنّ الخطاب الوجداني هذا موجّه مباشرة إلى شخصيّة الإمام الحسين، ما أضاف لمحة روحانيّة خاصّة، أضاءت معاني النّص، وأسهمت في زيادة دلالاته وعمقها، كما أننا نلحظ استحضارها للرموز التّاريخيّة، والمشاهد المأساويّة الكُبرى التي شهدها الإمام الحسين وأهله، في طريقه للدفاع عن الحقّ، كقولها: (من دمعة الزّهراء، تستريح دموع زينب، وبلوعة الأطفال، وأنت فوق الرّمح)، فهذه الصّور نسيج خاص كثيرًا ما نلمحه في الشّعر النّسوي، إذ تمزج المرأة بين العاطفة الجيّاشة، وبين الثّورة وقيمها، وأثرها الممتد عبر العصور.
لقد تميّز النّص بالبلاغة العالية، فضلًا عن الموسيقى المؤثّرة، التي تمثّلت بسرعة الإيقاع، وتكرار الحروف، إذ شُحن النّص بالإحساس العالي نتيجة لتوظيف الصّور الإبداعيّة المُبتكرة، التي استندت فيها الشّاعرة على الفنون البلاغيّة المتنوّعة، فضلًا عن الأسلوب الخاص في التّعبير والأداء، كقولها (أراكَ تاريخًا)، فقد وظّفت فنّ التشبيه حيث جعلت الحسين (عليه السّلام) هو التّاريخ، فهي لم تكتف برثاء الماضي، بل ترى في الإمام الحسين تاريخًا حيًّا سيظل حاضرًا في الضّمائر، (فوق الرّمح باق)، (فوق الفوق باق)، أي أنّه تجاوز الشّهادة المادّية نحو السّمو والخلود، يدعم ذلك قولها (تحكي السّماء حروف عزّك)، فهذه الجملة رمز إلى البطولة التي صارت لغة الكون، حتّى حكتها السّماء، إذ يوضح هذا التّوظيف عمق الإحساس بدور الإمام الحسين الجهادي، وما أبلاه في نهضته من شجاعة وشدة بأس، جعلتها تعبر عن ذلك بقولها: (يا شبل طه) إذ تنسبه للرسالة والشّجاعة وتربط دوره بدور النّبي محمد (صلى الله عليه وآله) فهو قطب الرّسالة ومدارها.
وبذلك نلحظ أنّ الشّعر النّسوي مزج بين الشّعور النّهضوي الثّوري عن طريق تجسيد مواقف الإمام الحسين البطوليّة، وبين العاطفة التي تمثّلت بالإحساس بأثر واقعة كربلاء على نفوس نساء آل البيت (عليهم السلام) وأطفالهم (تستريح دموع زينب، بلوعة الأطفال)، فلم يكن النّص تصويرًا لمأساة كربلاء فحسب، بل ترسيخ فكرة حياة الحسين (عليه السّلام)، واستمرار مسيرته عبر التّاريخ، ومن هذا المنطلق يتحوّل النّص إلى قصيدة خلود في الشّهادة وقدسيّة الموقف.
وقولها في تمجيد دور العبّاس (عليه السّلام) البطولي في كربلاء:
((عطشٌ على جرحِ الفرات يُحوّمُ ويداكَ شطآنٌ و وجهك بلسمُ
والنّهرُ إذ يسعى إليك فشوقهُ عطش الذّبيح وأنت وحدك زمزمُ
وكأن عيني زينب أسطورة خلف انتظارك لهفةٌ لا تسأمُ
يا سيّد الماء العظيم ألا ترى بسنا اخضرارك كل عين تحلمُ))( )
يبدأ النّص بصورة مركّبة قويّة، إذ يظهر الفرات رمزًا للماء في مشهد جريح متألّم، وكأن العطش والألم أصبح هو المُهيمن، إلا أنّه لم يحجب الإمام العبّاس (عليه السّلام) من العطاء، وكأن حضوره شفاء لجراح ذلك النّهر الحزين، (و وجهك بلسم)، إذ ترسم الشّاعرة صورة مفارقة عن حاجة النّهر إلى عطف الإمام العبّاس (عليه السّلام) وليس العكس، ثمّ تعضّد ذلك بقولها: (والنّهرُ إذ يسعى إليك فشوقهُ * عطش الذّبيح وأنت وحدك زمزمُ)، ففي هذا التّعبير تتبدى المفارقة البلاغيّة إذ جعلت الشّاعرة النّهر هو العطشان وليس الإمام العبّاس (عليه السّلام)، وكأن الإمام هو نبع الحياة الحقيقي (وأنت وحدك زمزمُ)، وفي هذه الجملة إشادة بمكانة العبّاس (عليه السّلام) الاستثنائية عند آل البيت(عليهم السّلام)، وما قدّمه من إيثار وتضحية في موقف الطّف، ولا سيّما موقفه مع السّيدة زينب (عليها السّلام)، وبذلك نرى أنّ الشّعر النّسوي مزج بين العاطفة وقيم الثّورة، ليضع الإمام العبّاس (عليه السّلام) في مكانة الشّهيد الأسطوري، والرّمز الخالد للإيثار، الذي يقدّم الماء ولا يشرب، ويعطي الحياة ويواجه الموت.