يُعدّ التراث الحديثي أحد الركائز الكبرى في تشكيل الوعي الديني والتشريعي في الإسلام، إذ تمثّل السنة النبوية – أو ما نُسب إلى المعصومين ( عليهم السلام ) – المصدر الثاني في بناء المنظومة العقدية والفقهية والأخلاقية , غير أن هذا التراث، على الرغم من مركزية موقعه، لم يتكوّن من فراغ، بل تشكّل ضمن سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية معقّدة، تركت آثارها العميقة على طرق نقله، وأساليب تدوينه، ومناهج التحقق منه.
وعليه فإن مقاربة التراث الحديثي مقاربة علمية رصينة تقتضي النظر إليه بوصفه نتاجًا تاريخيًا، لا مجرد مادة نصية معزولة عن شروط إنتاجها , وعند التأمل في المسارين السني والشيعي، يبرز بوضوح أن كليهما واجه أزمات حقيقية، اختلفت في مظاهرها، لكنها تشابهت في نتائجها وآثارها المعرفية , وفيما يلي محاولة لقراءة هاتين الأزمتين قراءة تحليلية هادئة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو المقارنات السجالية.
أولًا: أزمة التراث الحديثي السني ( من هيمنة النقل الشفهي إلى إشكالية التدوين المتأخر )
نشأ التراث الحديثي السني في بيئة غلب عليها النقل الشفهي، حيث كان الاعتماد الأساسي في حفظ السنة وتداولها قائمًا على الذاكرة والسماع المباشر، لا على التدوين المنهجي المنظم , وقد كان هذا النمط من التلقي منسجمًا مع طبيعة المجتمع في القرن الأول الهجري، حيث لم يكن التدوين ممارسة شائعة ولا أداة مركزية في حفظ المعرفة , إلا أن هذا الاعتماد الطويل على الرواية الشفوية أفرز جملة من النتائج الطبيعية؛ من أبرزها تعدد صيغ الحديث الواحد، واختلاف ألفاظه باختلاف الرواة، وتفاوت درجات الضبط والدقة من بلد إلى آخر , ومن راو لآخر , ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتباعد الأمصا وردخول جماعات جديدة في الإسلام أصبحت هذه الإشكالات أكثر وضوحًا وتعقيدًا.
وعندما بدأ تدوين الحديث بصورة أوسع في القرن الثاني الهجري، جاء هذا التدوين استجابةً لحاجة ملحّة فرضها الواقع وبرؤية سياسية ، ونتيجة لذلك انتقلت مادة حديثية ضخمة من حيز التداول الشفهي إلى التدوين بعد مرور أجيال متعاقبة، الأمر الذي فتح المجال لظهور روايات متعارضة في الظاهر، واختلافات في الألفاظ، بل وأحيانًا في المعاني.
أمام هذا الواقع طوّر علماء الحديث السنة منظومة علمية دقيقة، كان محورها الأساس الإسناد، فبرز علم الرجال، والجرح والتعديل، والاهتمام بسلاسل النقل اهتمامًا بالغًا، حتى غدا الإسناد العمود الفقري للمنهج الحديثي السني , ولم يكن هذا التركيز على السند خيارًا معرفيًا مجردًا، بل محاولة واعية لمعالجة آثار التأخر في التدوين، وضبط النص عبر الثقة بالناقل لا بالكتاب , ورغم ما حققه هذا المنهج من إنجازات كبيرة في حفظ جانبٍ واسعٍ من السنة، فإن آثار المرحلة الشفهية الطويلة بقيت حاضرة في خلفية النص الحديثي، متمثّلةً في احتمالات النسيان، والوهم، والتصحيف ، فضلًا عن التأثر بالتحولات السياسية والمذهبية التي رافقت مسار الرواية في بعض مراحله , كما أن حضور الإسرائيليات والموضوعات كان نتيجةً طبيعية، بل واقعًا لا مفرّ منه، في ظل ظاهرة منع تدوين الحديث التي استمرت قرابة قرنٍ من الزمن، ومع كثرة الوضّاعين والمدلّسين، فضلًا عن القصّاصين الذين كان لهم دورٌ مهم في ظهور الروايات المسيئة، إلى جانب الأحاديث الموضوعة.
ثانيًا: أزمة التراث الحديثي الشيعي ( إشكالية النقل الكتابي وفقدان الأصول )
على النقيض من التجربة السنية، يتميز التراث الحديثي الشيعي ببدء التدوين فيه في مرحلة مبكرة نسبيًا، وبتشجيع مباشر من الأئمة عليهم السلام لأصحابهم على كتابة الحديث وتدوينه في ما عُرف لاحقًا بـ ( الأصول الأربعمائة ) , وقد أدى ذلك إلى نشوء تقليد كتابي في نقل الحديث منذ القرن الأول والثاني الهجريين، وهو ما يُفترض أنه أسهم في الحد من مشكلات النقل الشفهي.
غير أن الأزمة في هذا المسار لم تكن في أصل التدوين، بل في المراحل اللاحقة من تداول هذه الكتب , فقد تعرّضت الأصول الحديثية الأولى، عبر القرون لعمليات نسخ ونقل متكررة، وفي ظروف لم تكن دائمًا منضبطة من الناحية العلمية أو النصية , ومع مرور الزمن فُقد عدد كبير من تلك الأصول، ولم يصلنا مضمونها إلا من خلال كتب جامعة ومتأخرة نسبيًا، مثل الكتب الأربعة.
هذا الفقدانُ للأصول المباشرة جعل عمليةَ التحقّق من النصّ الأصلي مسألةً شديدةَ التعقيد، ولا سيّما في ظل تشابه أسماء الرواة، وتقارب الخطوط القديمة، واختلاف النسخ في الضبط والترتيب، فضلًا عن وقوع التصحيف والتحريف في بعض الأسانيد والمتون , وكان هذا التصحيف نتيجةً طبيعية للصعوبات التي رافقت بيئة تدوين النص، من قبيل قلّة المشتغلين بالكتابة، وندرة توفّر أدواتها، كالورق والقصب المستعمل في عملية التدوين، وذلك بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي كان يعيشها الرواة في القرون الأولى , وقد أدّى ذلك كلّه إلى ازدياد احتمالات التصحيف والتحريف، فضلًا عن وقوع سهو القلم من قِبَل النُّسّاخ، بل وحتى بعض المحدّثين في مراحل لاحقة.
من خلال هذا العرض، يتبيّن أن التراث الحديثي، السني والشيعي، واجه أزمتين مختلفتين في المظهر، متقاربتين في الجوهر , فأزمة التراث السني نشأت أساسًا من هيمنة النقل الشفهي وتأخر التدوين، بينما ولدت أزمة التراث الشيعي من فقدان الأصول الأولى، والاعتماد على نقل كتابي متأخر، تعرّض للتصحيف والتحريف عبر الزمن.
تراثنا الحديثي الإسلامي بين أزمتين