التطور الدلالي للغة

التطور الدلالي للغة

اللغة طريق التواصل الأشهر بين البشر، وهي التاريخ الحي النابض الذي يحفظ آثارهم وحضارتهم، وقد مرت كغيرها بتطورات كثيرة، حتى انقلبت بعض دلالاتها، واتخذت منحنًى آخر بعيدًا كل البعد عن مدلولها الأم.  

وهذا التطور أمر حتمي لا يملك أحد إيقافه، ويمر بمرحلتين: 
 الأولى: مرحلة التغير نفسه، أو الابتداع والتجديد، وهي بذلك عمل فردي وإن تصادف أن يتفق أفراد لا حصر لهم على الابتداع في وقت واحد.
 الثّانيّة: مرحلة الانتشار الّتي يترتب عليها استعمال الآخرين للمعنى الجديد، وهي مرحلة اجتماعية معتمدة على قّوة التقليد الّذي يضمن له الدخول في النظام اللّغوي.
وهناك أسباب كثيرة لهذا التطور، منها:
١/ العامل الديني: وهو من أهم العوامل، إذ يأتي بشرائع ومعتقدات جديدة وبالتالي اصطلاحات مسايرة له، وحسبك شاهدًا أن تنظر في ألفاظ كالصلاة والصيام والحج، كما كان له الأثر الكبير في تهذيب اللغة العربية، والنهوض بها الى أرقى المستويات.
٢/ظهور المخترعات الجديدة: الحراك المستمر للنشاط الإنساني ينتج معطيات جديدة، فتظهر مخترعات لم تكن لها سابقة، ولذلك يضطر أن يضع لها الإنسان مسميات، إما باللجوء إلى اللغات الأخرى أو باللجوء إلى لغته الأصلية، فيحيي فيها كلمات قديمة اندثرت ويطلقها على هذه المستحدثات بشرط وجود علاقة بينهما وبهذه الطريقة يتم نقل ألفاظ قديمة لمعان حديثة: كالمدفع والمذياع وغيرها من الألفاظ التي أحياها الناس أو اشتقوها وخلعوا عليها دلالات جديدة.
٣/مراعاة المشاعر العاطفية والنفسية: إن الآداب الاجتماعية من العوامل النفسية التي تدعو لاستبدال بعض الألفاظ بألفاظ أخرى أكثر لطفًا، وأقل حدة، وأكثر قبولًا، وهو ما يسمى باللامساس ومن ذلك استعمال كلمة (السليم للمريض، والمفازة للصحراء تفاؤلًا للفوز والنجاة من الهلاك المتوقع في الصحراء) كذلك الأسماء التي تطلق على أماكن قضاء الحاجة (كالمستراح أو دورة المياة)  تماشيًا مع الذوق العام.
٤/الانعزال: قد تنعزل أمة من الأمم فتبتعد عن مسايرة التطور الحضاري، وتتقوقع في منطقة معزولة. وغالباً ما يكون في الأمم بالبدائية حيث يبدأ أفرادها في تحريف بعض الكلم عن دلالاتها الأساسية إلى دلالات أخرى قد لا تكون لها علاقة بالدلالات المركزية لها. وعندئذٍ يحدث التغير الدلالي. مثل: (الأرض) التي تحمل دلالات عدة متباينة، فهي الكوكب المعروف، والزكام والرعدة، وكلمة (الليث) تعني الأسد والعنكبوت.
٥/التناغم الصوتي: وهو من العوامل القوية التي تكون درعًا منيعًا للكلمة ومؤثرًا في بقائها واستمرارها، ولذلك تلجأ اللغات للاقتراض من بعضها إذا وجدت تنافرًا في حروف مفرداتها، وثقلًا في مبانيها، فتستبدلها بكلمات عذبة الجرس خفيفة النطق، وفي العربية قدر كبير من هذا الذي درس وباد، ويسميه بعضهم عقمى الكلام، وقد ذهب علماؤنا إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل.
 أما عن أشكال هذا التطور التاريخي، فيظهر في أنماط مختلفة أبرزها:
 ١/توسيع المعنى: بأن يكون المعنى القديم منحصر على لفظ معين، ثم يتمدد استعماله ليشمل معانٍ أخرى. مثل كلمة (عقيلة) التي تعني في الماضي الناقة المربوطة، ثم اطلقت على المرأة المتزوجة الحصان الرزان، ثم أصبحت تطلق على كل زوجة بشكل عام، و(العم) تطلق في الأساس على أخ الأب، فأصبحت تطلق على كل رجل في عمر الأب.
ثانياً: تضييق المعنى وهو أن يكون اللفظ في الماضي دالاً على معان كثيرة، فيخصص بدلالة واحدة معينة دون الأخريات، مثل (المأتم) كانت تطلق في الماضي على مجرد اجتماع الرجال أو النساء في مناسبة ما سارة كانت أم حزينة ثم أصبحت تقتصر على المناسبات الحزينة فقط.
و (حرامي) نسبة إلى الحرام من كل نوع، ثم تخصصت دلالتها واستعملت بمعنى اللص.
٣/ انتقال المعنى: وانتقال المعنى يتضمن طرائق شتى منها: الاستعارة والمجاز، وأطلاق البعض على الكل… الخ، ومن أمثلتها كلمة (الشنب) تعني في القديم جمال الثغر وصفاء الأسنان وبياضها، فأصبحت تطلق على الشارب، و(طول اليد) كناية عن السخاء والكرم أصبحت اليوم وسم للسارق. ولعل السياق هو الحكم الرشيد في التمييز بين هذه المعاني.
ومن أشكال انتقال المعنى ما يعرف بانحطاط المعنى وارتقاءه.، ككلمة (الأستاذ) التي كانت تطلق على المعلم والعالم، أصبحت تطلق على كل شخص اتصف بهذه الصفات أم لم يتصف به، وكلمة (الحاج) التي تطلق في الأساس على من حج إلى بيت الله الحرام، أصبحت تطلق على كل من تقدم في السن سواء حج أم لم يحج. و(الشيخ) التي تطلق في الأصل على من بلغ من الكبر عتيا، أصبحت تطلق على كل من نال قسطًا من العلم الشرعي حتى ولو كان صغيرًا في السن.

ختامًا إن التطور التاريخي للكلم يبعث في اللغة روح الحياة للتعبير عن كل المستجدات التي تظهر من خلال النشاط البشري المستمر، فهو بمثابة المخزن الذي تلجأ إليه اللغة لسد حاجتها من عوز الألفاظ، وهذه الدلالات تؤكد على ما تمتاز به اللغة العربية من حيوية ومرونة، وما هذا إلا غيض من فيض. 


—————
-ظاهرة التطور الدلالي لهشام قزوم.
-مقتطفات من آراء إبراهيم أنيس، والكاروري، وابن فارس بتصرف.