تَــمَثّــلَات شَخْـــصيّة العــَبّــاس (عَلَيْه السّلام) الجِـهَاديّــة فِي الرّوايـــة العَــرَبيــّة 

تَــمَثّــلَات شَخْـــصيّة العــَبّــاس (عَلَيْه السّلام) الجِـهَاديّــة فِي الرّوايـــة العَــرَبيــّة 

ع  ترتبطُ شخصيّة الإمام العبّاس عليه السّلام بالثورة والجهاد ارتباطًا واضحًا عميق الصّلة، وقد تنبّه الرّوائيون العرب إلى ذلك وربطوا شخصيّته (عليه السّلام) بالثورة والتّضحية والتّغيير لما عرف عن الإمام من بسالة و وفاء وتضحية؛ ولأن الثّورة في أبسط مفاهيمها هي "حالة تلبّس لا تتوقّف وعلاقة جدليّة حداثيّة تتسامى عن واقع لتنشد ما هو أفضل منه"( ).
      فالشخصية الجهاديّة من وجهة الرّوائي هي التي تدعو إلى التّغيير والتّجديد في الأوضاع، متخذة من الثّورة مبدأ لها لخدمة المجتمع إيمانًا بالحياة الكريمة وتحقيقًا للعدالة والمساوة بين النّاس والقضاء على الشّر عن طريق الوعي والتّضحية؛ ولذلك تكون الشّخصية في العمل الرّوائي: "هي نماذج خلقها الرّوائي، وحمّلها مضامين وأفكار تحارب بها سلبيات الواقع، قصد الانتقال بهذا الواقع من حالة الانغلاق إلى حالة أخرى أكثر تفتحًا وإنسانيّة، ومن ظروف السّيطرة والكبت إلى ظروف الحريّة والمساواة" ( )، وقد حرص الرّوائيون على إظهار شخصيّة الإمام (عليه السّلام) في موقفها الثّوري في أشكال مختلفة تفرض صورة الواقع من جهة ورؤاهم المصورة من جهة أخرى.
  تمثّلت شخصيّة الإمام (عليه السّلام) في روايات عديدة منها ما ورد في رواية (حبّة بغداد) في النّص الآتي: "دس الرّجل بين الغوغاء أحد أصحاب أمارجي المُخلصين، وأعطاه ترابًا خاصًا أخذه من المكان نفسه الذي قطع فيه الشّمر ذو الجوشن رأس الحسين(ع) في الطّف، مضيفًا عليه التّراب حيث سقط أخوه العبّاس(ع) ودموع زينب التي بقيت في مكان خيمتها لم تجف"( )، يوظف الرّوائي في هذا النّص من الرّواية شخصيات الأئمة عليهم السّلام عن طريق الواقعية السّحرية، لعمل خلطة سحريّة من التّراب يتمّ بوساطتها إنقاذ بطل الرّواية المجاهد (أمارجي)* تعتمد على التّراب المأخوذ من كربلاء حيث مكان قطع  رأس الحسين (عليه السّلام) وحيث سقط العبّاس (عليه السّلام)، وبذلك فقد أعطى الرّوائي للتراب رمز البقاء والاستمرار فضلاً عن العطاء والتّضحية إذ تعدّ كربلاء الوهج الذي تستمد منه الثّورات إيمانها وصمودها على مرّ العصور، ولعلّ الرّوائي تناص بطريقة غير مباشرة مع قول الشّاعر: 
"وتركت للأجيال حين يلزها       عنت السّرى ويضيق عنها المهرب
جثث الضّحايا من بنيك تريهم        أنّ الحقوق بمثل ذلك تطلب"( )
   وقد اقترنت شخصيّة الإمام العبّاس (عليه السّلام) في هذا النّص مع شخصيّة الحسين (عليه السّلام) لإعطاء دلالة أشمل وأعمق عن دور العبّاس عليه السّلام الجهادي في نصرة أخيه(عليهما السّلام). 
   وكذلك ما ورد في رواية (أيّام من دم من كربلاء إلى مذبحة القلعة) في النّص الآتي: "انتزع نفسه من انفعالات تعصف بنفسه كالإعصار العاتي ونادى أخاه العبّاس أن لاق القوم فانظر ماذا يريدون"( ).
  يرسم الرّوائي (وليد فكري) في هذا النّص صورة للحادثة التي جرت بين الإمامين (عليهما السّلام) في كربلاء،  استند في ذلك إلى تقنيّة من تقنيات ما بعد الحداثة (القص التّاريخي) إذ تتجلى شخصيّة العبّاس عليه السّلام البطولية في هذا النّص حيث جعله الإمام الحسين (ع) يقابل أعداء متجمعين وهو فرد واحد، وفي هذا النّص دلالة رمزيّة على أنّ العباس (ع) كان محل القوة والثّقة والاعتماد حيث أوكل إليه الحسين مهمة الحوار مع العدو، وفي هذا الاستذكار التّاريخي يشحن الرّوائي نصّه بتراث كربلاء وتاريخها للوقوف ما تعرّضت له المدن الإسلاميّة من ظلم على مرّ التّاريخ، ما جعله يقسم روايته على أبواب عديدة يستمد مادتها من المدن المظلومة من كربلاء وحتّى القلعة ولكنها تجمع كلّها في إطار الثّورات والجهاد، الخير والشّر الحق والباطل مما يدعو إلى تحفيز المتلقي للتفاعل مع النّص جمالياً ونفسياً، ولا سيّما أنّ "درجة الإبداع أصبحت تقاس بمدى ما يحققه هذا الإبداع من دهشة ومفاجأة تنشآن في الغالب من ضم عناصر لا يتوقع جمعها في صيغة واحدة"( ).
كما تجسّدت شخصيّة الإمام العبّاس(عليه السّلام) في رواية صهر البابا بطريقة أكثر دلالة على ارتباط هذه الشخصية بعقيدة المجتمع: "بمجلس العزاء الحسيني استمعن وهن يضربن صدورهن جلوسا وبإيقاع رتيب إلى قصيدة أنشدتها المُلة كانت تسرد حكاية الإمام العباس وهو يجلب الماء لخيام أخيه الحسين المحاصرة، ثم نهضن ممتلئات بفيض من الحزن والأسى وشكّلن دائرة مغلقة كن متآسيات ومتوجعات، تدور حزمة الوجع المتلفعة بالسواد حول نفسها يضربن صدورهن وجباههن بعنف وإيقاع أرجلهن الثقيل يهز جدران الغرفة متناغما مع صوت الملة (حسين.. حسين.. حسين)"( )،  يقف الرّوائي (رامي هراطة) في هذا النّص من الرواية على قضية العزاء الحسيني وما يجري فيه من استذكار للمأساة الإنسانية التي تعرض لها آل بيت الرسول(صلى الله عليه وآله) في كربلاء، ولا سيما مشهد العبّاس عليه السّلام وهو يجاهد من  أجل إيصال الماء إلى مخيم الأطفال وسط ضجيج الرماح وطبول الحرب، فالروائي يرسم عن طريق شخصية بطل الرواية (علي شاكر) ورؤيته لهذا الواقع المتجدد بشكل دائم على مر التاريخ، وبذلك تكون قضية الإمام الحسين (ع) وآل بيته رمزا للتجدد، كما يصف الروائي في هذا النص طبيعة الوعي الاجتماعي في تعامله مع واقعة كربلاء وإقامة العزاء في كل عام، وطبيعة الطقوس التي تتم ممارستها في تلك المجالس تشعر القارئ وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا متحركا وليس نصا أدبيا وذلك نتيجة لبراعة الروائي في رسم الصورة المشهدية لحركة النساء وطقوسهن في أداء مراسيم العزاء.
    وبذلك يكون العمل الأدبي امتزاج مؤلف من تعبير وشعور، يمر بمرحلتين متتاليتين بالقياس الإحساسي والشّعوري ولكن بالقياس الأدبي يكونان متحدتين في حالة الوجود، وذلك لأنّ التّجربة الشّعورية في الكون الشعوري مرتبة تسبق في ذهن منتجها ثم يأتي بعدها التّعبير عنها بطرائق لفظيّة وفي النّص الأدبي لا توجد هذه التّجربة إلا بالتعبير عنها باللفظ وصوره( ).
  -صورة الشخصية الثورية في قصة من جهاد إلى جهاد، حفيظ ملواني، مجلة الموانة، العدد 2، 2015م: 14.
  -الشخصية في الرواية الجزائرية من 1997مإلى 1983م: بشير بويجرة، ديوان المطبوعات، د.ط، د.ت: 22.
  -رواية حبة بغداد، جمال حسين علي: 518.
* أمارجي: كلمة سومرية تعني الحرية، جعلها الروائي اسماً للبطل السّاعي للسلام.
  -الإمام الحسين في الشعر النجفي، 1301-1430هـ، كامل سلمان الجبوري، دار القارئ، 1430هـ،  ج1: 99-101.
  -رواية أيام من دم من كربلاء إلى مذبحة القلعة، وليد فكري: 28.
  -الانزياح من منظور الدراسات الأسلوبية، أحمد محمد ويس، ط1، مجلد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت: 2005م: -161.
  -صهر البابا: 42.
  -ينظر: الذكاءات المتعددة والتذوق الأدبي، حمزة هاشم السلطاني، الدار المنهجية للنشر والتوزيع، 2015م: 47.