في صباي، كلما رأيت تمثال السيد محمد سعيد الحبوبي، توالت الأسئلة إلى مخيلتي: ما تلك الصحيفة التي يقبضها بيمينه؟ أهي قصيدة من نتاجه الشعري، أم فتوى الجهاد التي حملها من النجف إلى زعماء العشائر؟
سؤالٌ يفتح باب الذاكرة على سيرة رجلٍ لمع في تاريخ العراق، وكان خلاصة التقاء الفقه بالجهاد، والشعر بالعلم.
إنه أبو علي السيد محمد سعيد بن السيد محمود بن قاسم بن كاظم بن حسين بن حمزة بن مصطفى بن جمال الدين، أحد أشهر أعلام عصره، فقيه كبير، أديب شاعر مبدع، ومجاهد صادق، اجتمعت فيه خصال قل أن تجتمع في رجلٍ واحد.
ينتمي السيد محمد سعيد الحبوبي إلى أسرة آل الحبوبي، وهي أسرة عربية حسنية النسب، تتصل بالحسن المثنّى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب (ع). وقد استوطنت هذه الأسرة النجف الأشرف منذ قرون، مجاورة لمرقد الإمام، وكان لقب «الحبوبي» قد غلب عليها بعد أن عُرف به جده مصطفى بن جمال الدين، لما كان يحظى به من محبة ومكانة بين الناس.
ورغم أن الأسرة عُرفت بالتجارة والزراعة أكثر من اشتغالها الأولي بالفقه، فإن ذلك لم يمنعها من توجيه أبنائها توجيهًا دينيًا وعلميًا رصينًا.
وُلد محمد سعيد في الرابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1266هـ/1849م في حيّ الحويش بالنجف. نشأ في بيت جمع النعمة إلى العلم؛ فوالده السيد محمود كان تاجرًا ومزارعًا، وفي الوقت نفسه رجل دينٍ ملما بمسائل الفقه. حفظ محمد سعيد القرآن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة والخط، تحت إشراف دقيق من أبيه، الذي تابع خطواته التعليمية خطوة خطوة.
وحين تجاوز العاشرة من عمره، انفتحت أمامه آفاق أوسع إذ درس مبادئ الأدب وعلوم العربية على يد خاله الشاعر النجفي الشيخ عباس الأعسم. وكانت تلك المرحلة خصبة الأثر؛ فقد نهل من النحو والصرف والبلاغة، وتعرف إلى التاريخ والجغرافية والحساب والفلك، فتكونت لديه أدوات ثقافية متكاملة، وتشكلت بذور شاعريته المبكرة. ولم يكن ينظر إلى أستاذه إلا بعين الابن إلى أبيه، وبقي هذا الشعور المؤنس ملازمًا له، باعثًا على مزيد من التحصيل.
وقبل أن يبلغ الخامسة عشرة، هاجر أبوه وعمه إلى حائل في نجد طلبًا للتجارة. بقي محمد سعيد في النجف مواظبًا على الدرس عند خاله، ثم لحق بهما شوقًا وترويحًا للنفس من الدروس. وكانت الرحلة على الإبل محفوفة بالمخاطر، لكنها منحته متعة روحية وقوة جسدية، وفتحت له باب الاحتكاك بالحياة خارج أسوار المدينة العلمية.
في (حائل)، انصرف إلى العمل مع أبيه، ولم ينقطع عن العلم، فكان يقرأ في الأدب والفقه والمنطق والحكمة من الكتب التي جلبها والده من النجف، إلى جانب تلقيه تدريبًا جادًا على الفروسية والرماية حتى برع فيهما. امتدت إقامته هناك قرابة ثلاث سنوات، خرج منها أصلب عودًا، وأوسع أفقًا، وأكثر توقًا للمعرفة.
ثم عاد إلى النجف وهو دون العشرين من عمره، شابًا تتنازع داخله إرادة الفقيه، وحسّ الشاعر، واستعداد المجاهد. لمع اسمه في عالم الأدب والشعر، وأسهم إسهامًا بارزًا في حركة الشعر العراقي في القرن التاسع عشر، وبلغ في الثلاثينات من عمره ذروة شاعريته، ولا سيما في موشحاته التي ذاعت على الألسن. غير أنه لم ينقطع عن مجالس الفقه، بل كان يحضرها مشاركًا في النقاش، حتى ظهرت عليه علائم الجد والاجتهاد، وأصبح موضع ثقة أعلام عصره.
وعند عتبة الأربعين، احتدم الصراع الخفي بين الشاعر والفقيه: أيمضي في أودية الشعر وزخارفه، أم ينصرف إلى صرامة الفقه ليخدم مجتمعه؟ وانتهى إلى قرارٍ حاسم ، فهجر الشعر طوعًا، وانصرف إلى الفقه والأصول، فولج عالمهما من أوسع أبوابه، وارتقى سلّم الاجتهاد حتى بلغ مراتب العلماء.
تتلمذ على كبار فقهاء عصره، من أمثال فقيه الإمامية الشيخ محمد حسين الكاظمي، والشيخ محمد الشرابياني، والشيخ رضا الهمداني، والشيخ موسى شرارة، والسيد مهدي الحكيم، والشيخ محمد طه نجف. وبعد وفاة أستاذه الأخير، تصدّر حلقات التدريس، فانقطع للبحث والتعليم طوال السنوات العشر الأخيرة من حياته، ملتزمًا طريقة أستاذه القائمة على الأخذ باللباب ونبذ القشور. وقد أعجب طلابه بهذا المنهج، فالتفوا حوله ينهلون من علمه، وفي مقدمتهم السيد محسن الحكيم.
الجهاد والدفاع عن الوطن
لم يمض وقت طويل حتى أصبح السيد محمد سعيد الحبوبي واحدًا من كبار فقهاء عصره ومجتهديه المجددين. فاتمّ به المسلمون، ورجعوا إليه في مشكلاتهم، واستناروا برأيه في الأزمات. وكان من دعاة الإصلاح، إذ أيّد بقوة مشروع تأسيس المدرسة الجعفرية في بغداد، ورأى في تعليم اللغات والعلوم الحديثة أمرًا حيويًا للنهوض بالمجتمع، وكان لنفوذه الروحي أثرٌ بالغ في تجاوز معارضة المتحفظين.
حين داهم الوطن الخطر مع الغزو البريطاني للعراق سنة 1914م، انتفض السيد محمد سعيد الحبوبي للدفاع عنه بنفسه وماله. عُقد اجتماع كبير لعلماء الدين في مسجد الهندي بالنجف، وخطب فيه الحبوبي مع ثلّة من العلماء، فصدرت فتوى الجهاد، وكان السيد محمد سعيد من أشدهم حماسةً وأسرعهم تنفيذًا.
في السادس عشر من المحرم سنة 1333هـ، أعلن جهاده، فسارت خلفه الجموع المحتشدة من المجاهدين، متجهين إلى الناصرية، ثم إلى الشعيبة حيث ترسخت أولى أقدام الاحتلال البريطاني. قاد الحبوبي آلاف المجاهدين، وكان معه نخبة من خيرة الرجال من أهل الفضل والخبرة، ومن بينهم السيد محسن الحكيم، محمد رضا الشبيبي، أخوه باقر الشبيبي، وعلي الشرقي.
كانت جبهة الشعيبة، أو ما يعرف بـالجناح الأيمن تضم معظم المجاهدين، وقدر عددهم بما يقارب عشرين ألف مجاهد تحت قيادة السيد الحبوبي والشيخ باقر حيدر.
لم ينهض الحبوبي تزلفًا للسلطة، ولا طلبًا للشهرة أو المال، بل استجابة لوازع الدين وصرخة الوطن. وقد مول الجهاد من ماله الخاص، ورهن أملاكه، ورفض أي معونة مادية من الدولة العثمانية، حتى أجمع المؤرخون على نزاهته وإخلاصه.
لكن الأطماع والخذلان عصفت بالجموع، ففرقتهم وأجبروهم على العودة، فرجع الحبوبي مع فريق من المخلصين إلى الناصرية، وغمرته موجة من الألم على تطور نفوذ العدو وما آل إليه حال الجهاد. لم تلبث الأيام حتى فارق الحياة هناك، وقد قضى نحبَه هو والشيخ باقر في نفس العام غصةً وأسفًا من سوء الإدارة واختلال الأحوال.
توفي السيد محمد سعيد الحبوبي في الناصرية، عشية الأربعاء، الثاني من شعبان سنة 1333هـ/1915م . حُمل جثمانه إلى النجف، فكان موته صاعقة هزت القلوب، ودُفن في مقبرته الخاصة في الإيوان الكبير. ورثاه الشعراء، وأرخ وفاته المؤرخون، وقال فيه الشيخ جواد الشبيبي:
"سعيدٌ في الجهادِ مضى سعيدًا..."
وهكذا، حين نعود إلى سؤالنا الأول: ما الذي كان في يمين الحبوبي؟ لا يكون الجواب حاسمًا عندي، فربما كانت قصيدة حين احتاج الوجدان إلى كلمة صادقة، أو فتوى حين استدعى الواجب موقفًا. وربما كان الاثنان معًا؛ لأن السيد محمد سعيد الحبوبي لم يفصل يومًا بين الكلمة والموقف، ولا بين العلم والعمل، فبقي اسمه مضيئًا في الفقه، والأدب، والجهاد.
سيرة فقيهٍ جمع بين الجهاد والشعر: السيد محمد سعيد الحبوبي