العمامة في ساحة المواجهة/ السيد عبد الحسين شرف الدين

العمامة في ساحة المواجهة/ السيد عبد الحسين شرف الدين

   في مسيرة الفكر الإسلامي تبرز شخصيات لا تقاس بأعمارها، ولا تحد بالأمكنة التي عاشت فيها، إذ تتحول إلى وعي ممتد، وحضور دائم في ضمير الأمة. ومن هذه القمم الشاهقة ينهض اسم فقيه شيعي لبناني احتل الصدارة في القلوب والعقول، وملأ وجدان الأمة، وتجاوز إطار الزمان والمكان الذي عاش فيه، وتبوّأ الريادة الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي، جامعًا بين الاجتهاد والمقاومة، والعلم والموقف ،إنه السيد عبد الحسين شرف الدين.

كان مجاهدًا أدى دورًا بارزًا في حشد الشعب اللبناني لمواجهة ظلم الدولة العثمانية، ثم في مقاومة الاستعمار الفرنسي، كما عد من رواد التقريب بين المذاهب الإسلامية، والداعين إلى وحدة المسلمين عبر الحوار العلمي البناء بين الشيعة والسنة.
هو السيد عبد الحسين بن السيد يوسف بن السيد جواد بن السيد إسماعيل بن السيد محمد  بن السيد إبراهيم شرف الدين بن السيد زين العابدين بن السيّد نور الدين ، ويمتدّ نسبه الموسوي إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام
،ولد السيد في مدينة الكاظمية بالعراق، في مستهلّ جمادى الآخرة سنة 1290هـ . نشأ في بيت علمٍ وسيادة، فكان الإرث العلمي جزءًا من تكوينه المبكر.
حملته الهجرة الأولى، وهو في عامه الأول، إلى النجف الأشرف مع عائلته طلبًا للعلم، فشب في أجواء الحوزة، وتفتحت مداركه على لغة الفقه والبحث منذ طفولته. دخل الكُتّاب في السادسة من عمره، ثم انتقلت أسرته إلى لبنان وهو في الثامنة، حيث تلقى المقدمات العلمية على يد والده. وقد جمع منذ بداياته بين بيئتين ثقافيتين مختلفتين، أسهمتا في بناء وعيه المبكر وتوسيع أفقه الفكري.
عاد إلى العراق في مطلع شبابه، فأقام مدة في سامراء، ثم انتقل إلى النجف الأشرف متزامنًا مع هجرة المرجع الأعلى الميرزا محمد حسن الشيرازي. وفي النجف اكتمل نضجه العلمي، ونهل من كبار أعلامها، حتى بلغ مرتبة الاجتهاد في الثانية والثلاثين من عمره، متسلّحًا بملكة استدلالية راسخة، ونفسٍ إصلاحية واعية بمسؤولياتها التاريخية.
تتلمذ على يد ثلة من كبار العلماء، منهم: الشيخ محمد طه نجف، والسيد إسماعيل الصدر، والشيخ فتح الله الإصفهاني المعروف بشيخ الشريعة، والشيخ محمد كاظم الخراساني (الآخوند)، والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، ووالده السيد يوسف شرف الدين، والشيخ حسين النوري الطبرسي، والسيد محمد صادق الإصفهاني، والشيخ حسن الكربلائي، والشيخ علي الجواهري، والسيد حسن الصدر، والشيخ رضا الهمداني.
عاد إلى لبنان سنة 1322هـ حاملًا اجتهادًا حيًّا وروحًا رسالية. اتخذ من منطقة شحور منطلقًا لنشاطه، ثم لبى دعوة أهل صور، فانتقل إليها وأسّس حسينية صور، التي تحولت إلى مركز إشعاع ديني واجتماعي، تدار فيه شؤون الناس، وتصاغ فيه مواقف الوعي والمقاومة. ولم يكن حضوره خطابًا وعظيًا جامدًا، بل مشروعًا متكاملًا يرى في الدين قوة بناء وإصلاح.
وفي أواخر سنة 1329هـ شد الرحال إلى مصر، حيث التقى شيخ الأزهر سليم البشري، لتبدأ بينهما مراسلات علمية رفيعة المستوى حول قضية الخلافة، اتسمت بالمنهجية والدقة واحترام الرأي الآخر. وقد بلغت هذه الرسائل مئة واثنتي عشرة رسالة، جمعت لاحقًا في كتاب «المراجعات»، الذي غدا علامة فارقة في أدبيات الحوار الإسلامي، ونموذجًا راقيًا للتقريب بين المذاهب.
تجلى مشروعه الفكري في مؤلفاته المتعددة، التي تنوعت بين الفقه والتاريخ والعقيدة وقضايا الأمة، وأسهمت في بناء وعي إسلامي نقدي يستند إلى النص، ويخاطب العقل، ويستحضر متطلبات العصر من دون تفريط بالأصول.
ومن أبرز مؤلفاته:
المراجعات،
النص والاجتهاد،
المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة عليهم السلام،
الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء عليها السلام،
الفصول المهمة في تأليف الأمة،
مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام،
ثبت الأثبات في سلسلة الرواة،
إلى المجمع العالمي بدمشق،
فلسفة الميثاق والولاية.
وفي الميدان السياسي، وقف السيد عبد الحسين شرف الدين إلى جانب أبناء وطنه في مواجهة الظلم العثماني، ثم تصدى للاستعمار الفرنسي بفتوى الجهاد، فتعرض للملاحقة، وأُحرقت مكتبته، وضاعت معها نفائس من مؤلفاته، غير أن مشروعه لم ينكسر. واصل نضاله من المنفى، ثم عاد ليستأنف دوره حتى تحقيق الاستقلال سنة 1366هـ.
كان السيد عبد الحسين شرف الدين من أوائل من حذّروا من مخاطر الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، داعيًا إلى التصدي لها بوصفها تهديدًا وجوديًا للمنطقة.
وفي سنة 1340هـ أدى السيد عبد الحسين شرف الدين فريضة الحج، وأمّ المسلمين من مختلف المذاهب في المسجد الحرام، في مشهد كثيف الدلالة، جسد إيمانه العميق بوحدة الأمة، وقدرته على تحويل الفكرة إلى ممارسة حية.
  وفي الثامن من جمادى الآخرة سنة 1377هـ، رحل السيد عبد الحسين شرف الدين عن هذه الدنيا بعد عمرٍ حافل بالعطاء العلمي، والإصلاح الاجتماعي، والجهاد السياسي. شيّعته الجماهير في لبنان والعراق، واحتضنت النجف الأشرف جسده في الروضة الحيدرية، فيما بقي فكره حيًّا، يتجدد حضوره مع كل جيلٍ يبحث عن إسلامٍ جامع، واعٍ، قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.