أَسكنتُ وَجديَ في بقيعِ الغرقدِ
وزَفرتُ آهاتي لِأكرمِ سيّدِ
وطفِقتُ أَندبُ واللواعِجُ جمرةٌ
حُزنًا لِفادحِ جعفرِ بنِ مُحَمَّدِ
وأمُدُّ شطرَ ثراهُ لوعةَ خافقٍ
لكأنّ لاهبَ وَجْدِهِ لم يَبردِ
أفديهِ مُضطّهدًا يُكابدُ عُصبةً
ما بينَ ذي إحَنٍ وآخرَ مُعتدي
كم أَوقفُوهُ وُقوفَ عبدٍ مُذنبٍ
وأُريعَ منهمْ باللسانِ وباليدِ
أوَ مِثلُ جعفرَ وهوَ شيخُ أئمّةٍ
يُرزَى بِسطوةِ ظالمٍ مُتمرِّدِ
حاشا عُلاهُ وكان أصدقَ ناطقٍ
وبِمثلِ مَنطقِهِ الورَى لم تَعهدِ
وعلى حِماهُ وقد تَسلّقَ غاشمٌ
لم يَلفَ غيرَ عِبادةِ المُتهجِّدِ
ويُقادُ والهَفي عليهِ مُعنَّفًا
وكأنّ عاديةَ الخُطوبِ بِمرصَدِ
ومنَ الضغائِنِ أن يُهاجَ حَريمُهُ
والنارُ تُلهِبُهُ بِأفظعِ مَشهدِ
ويَعودُ يُخمِدُها ويَذكرُ كربلا
ويَرى الطفوفُ بِدمعِهِ المُتجدِّدِ
حتى إذا ما العُمرُ أرهقَهُ العِدى
وهَفَتْ صبابَتُهُ لِأطهرِ مَورِدِ
غالُوهُ بِالسُّمِّ النقيعِ وإنّما
بِلظاهُ نارُ فُؤادِهِ لم تَخمُدِ
فَقضَى وعينُ المجدِ تَندِبُهُ أسًى
والدِّينُ عَجَّ لِجعفرِ بنِ مُحمدِ
وهُناكَ طيبةُ بالبكاءِ وبالشَجَى
ناحَتْ لِفاجعةِ الإمامِ الفرقدِ
ومَضَوا بهِ نحوَ البقيعِ جنازةً
( طابتْ بِقاعُكَ يا بقيعَ الغرقدِ)
فَعلى ثَراك يَلُوحُ وهجُ مَراقدٍ
وغَدًا يُشادُ عليكَ أقدسُ مَشهدِ
وغدًا على الأعتابِ يَزدحِمُ الورَى
وتُلَفُّ أدمُعُهُم بِطهرِ العَسجدِ
وعلى القِبابِ تلوحُ رايةُ سادةٍ
تُنمَى مفاخِرُهُمْ لِآلِ مُحَمَّدٍ
طِبْ يا بقيعُ فأنتَ مُنتجعُ الهُدَى
وذُرَى عُلاكَ جِوارُ أشرفِ مَرقدِ
أهاجَ شُجُوني ما يُلاقِيهِ جَعفرُ
بِظُلمِ العِدَى وهْو الإمامُ المُطَهَّرُ
هُو الصادقُ الصِدّيقُ منْ آلِ فاطِمٍ
بِآياتِهِ الأيّامُ تَزهُو وتَفخَرُ
تَسَنَّمَ عَرشَ المَجدِ عِِلمًا وحِكمةً
فعادتْ بهِ الألبابُ تُهدَى فَتُبصِرُ
وشَقَّ عُبابَ العِلمِ مِن بعدِ باقِرٍ
فأينَعَ في كَفّيهِ دُرٌّ وجَوهَرُ
وكانَ لِأيتامِ المَيامينِ مَفزَعًا
غَداةَ لِئامُ الناسِ تُقصي وتَغدُرُ
وَجَرَّعهُ المَنصُورُ ضَيمًا وكُربةً
فكانَ على الأوجاعِ يَطوي ويَصبِرُ
وأضرمَ في بيتِ النبوّاتِ نارَهُ
فراحَتْ على أعتابِِهِ الشُمِّ تُسجَرُ
وأَوقَفهُ المنصورُفي الضَيمِ مَوقِفًا
وبانَ من الأحقادِ ماكانَ يُضمِرُ
إلى أن سقاهُ السمَّ وا كُربةَ الهُدَى
فَمَزَّقَ أحشاءً منَ السُمِّ تَسعَرُ
وجاوَرَ مَعصُومِينَ في خَيرِ مَرقَدٍ
ظُلاماتُهمْ لِلحَشرِ تُروَى وتُنشَرُ
