أقف كل يوم أمام طلابي، لا كمعلمة فحسب، بل كإنسانة تحمل في داخلها أسئلة لا تنتهي… هل حقًا المدرسة وحدها قادرة على صناعة إنسان متوازن؟ وهل كل هذا الثقل الذي يُلقى على عاتقها عادل؟
قرأت كثيرًا من الدراسات التي تناولت الطفولة، وكلها تقريبًا تُجمع على أن المدرسة هي المحور الأساس في بناء شخصية الطفل وتنمية قدراته. لكن، كلما تعمقت أكثر، ازداد شعوري بأن هناك حلقة يُتغافل عنها أحيانًا، أو يُمرّ عليها مرورًا سريعًا… إنها الأسرة.
فالطفل لا يدخل المدرسة صفحة بيضاء، بل يأتي محملًا بما زرع في داخله منذ سنواته الأولى. يأتي بقيم، بعادات، بلغة، بأسلوب تفكير، وبصورة أولية عن العالم. وهنا يبدأ هاجسي الحقيقي، هو كيف يمكن للمدرسة أن تُصلح ما لم يُبنَ أصلًا على أساس سليم؟
نحن بحاجة إلى أسرة واعية، تدرك أن التربية ليست مجرد كلمات تقال، بل سلوك يمارس يوميًا. بحاجة إلى بيت يكون قدوة، لا مجرد مكان للعيش. لأن الطفل الذي ينشأ في بيئة يختلط فيها الصدق بالكذب، والحق بالتجاوز، كيف نطالبه فجأة أن يكون نموذجًا مثاليًا داخل الصف؟
تتكرر أمامنا عبارات تربوية حتى حفظناها عن ظهر قلب، إصلاح الطفل يبدأ من إصلاح المعلم والمدرسة والأسرة. لكنها، في الواقع، ليست مجرد جملة، بل معادلة دقيقة؛ إذا اختل أحد أطرافها، اختل التوازن كله.
من خلال تجربتي البسيطة، أرى أن المدرسة لا تُنشئ القيم من العدم، بل تُهذب ما هو موجود، وتُطور ما تم غرسه مسبقًا. هي تُعلم الطفل النظام، الالتزام، المسؤولية، وتفتح له أبواب المعرفة، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا عن البيت.
البيت هو الجذر… والمدرسة هي الغصن.
وإن كان الجذر هشاً، فلن يصمد الغصن طويلًا.
أتذكر كيف كان أهلنا يركزون على فكرة بسيطة، لكنها عميقة الأثر، هي أن ينشأ الطفل على الحلال، على لقمة نظيفة، على شعور داخلي بالاستقامة. ربما لم تكن تقال بلغة علمية أو تُطرح في مؤتمرات، لكنها كانت تُمارس كقيمة راسخة.
اليوم، ومع كل هذا التطور، أشعر أن بعض الأساسيات بدأت تتراجع أمام ضجيج العناوين الكبيرة. لذلك يبقى هاجسي كمعلمة، هو
ليس كيف أُعلم الطفل فقط،
بل كيف نعيد التوازن بين ما يتعلمه في بيته وما يتلقاه في مدرسته.
لأن التربية، في حقيقتها، ليست مسؤولية جهة واحدة…
بل شراكة تبدأ من البيت، وتكتمل في المدرسة، ليُثمر عنها إنسان قادر على أن يبني نفسه… ومجتمعه.
