عميد آل بحر العلوم

      إن سير الأفذاذ من رجال الدينِ والمفكرين تمثل المرجعية الأخلاقية والفكرية التي تستمد منها الأجيال قيم الثبات إذ تشد أزرهم، وتثبت خطاهم، وتضيء لهم طريق الحق ومنهاج الصلاح، نذكر من هولاء الأفذاذ السيد محمد مهدي بحر العلوم، أحد كبار علماء الشيعة ومراجعهم  الذي لم يمر بمكان إلا ويبقى له أثراً فيه .

ولد السيد بحر العلوم في رحاب كربلاء ليلة الجمعة من شهر شوال عام ١١٥٥هـ، ونشأ في كنف أسرة علمية التي كانت دعامة من دعائمِ التاريخ العلمي الشيعي. واستمد  هيبته من عراقة العلم وشرف النسبِ الذي يتصل بسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)
يرجع نسبه الى أسرة علوية كانت تسكن الحجاز ثم هاجرت إلى إيران بسبب ظلم السلطات المعادية لأهل البيت من الأمويين والعباسيين وسكنت في أصفهان وبروجرد. ثم هاجرت  من إيران إلى العراق في بداية القرن الثاني عشر الهجري،وعند حلولها في العراق، أقامت في كربلاء والنجف، فأسهمت إسهامًا فعالًا في بناء الحوزة العلمية وتطويرها، وكان لرجالها دور كبير في قيادة الحركة العلمية، إذ برز منهم: السيد محمد الطباطبائي جدّ السيد بحر العلوم، وهو أستاذ الوحيد البهبهاني، والسيد مرتضى والد بحر العلوم، ومن أولاده: السيد محمد رضا بن السيد محمد مهدي بحر العلوم، الذي تولى بعد وفاة أبيه زعامة الحوزة العلمية في النجف .
ويعد السيد محمد مهدي عميد هذه الأسرة ورأسها، وهو أول من لقب بـ"بحر العلوم"، وقد أطلقه عليه  الميرزا مهدي الأصفهاني من العلماء الفلاسفة، لما رأى من ذكاء بحر العلوم وسعة علمه.

درس السيد بحر العلوم مبادئ العلوم الدينية والعربية في كربلاء على يد أبيه وغيره من العلماء، ثم هاجر إلى النجف فدرس على يد علمائها الأعلام، ثم رجع إلى كربلاء فحضر دروس البحث الخارج والسطوح العالية في الفقه والأصول عند الوحيد البهبهاني، والشيخ يوسف البحراني (صاحب الحدائق)، والشيخ مهدي الفتوني، والشيخ محمد تقي الدورقي، والشيخ محمد باقر الهزار جريبي، حتى نال درجة الاجتهاد.
حسب ما روي عن حفيده السيد محمد صادق بحر العلوم: "حضر أولياته وسطوحه من النحو والصرف وبقية العلوم العربية والمنطق والأصول والفقه والتفسير وعلم الكلام وغيرها على فضلاء عصره والمتخصصين في هذه العلوم، فأكمل تلك الأوليات، وبعد ذلك حضر بحث الخارج في الأصول على والده المرتضى، وعلى أستاذ الكل الوحيد البهبهاني، وخارج الفقه على الفقيه الكبير الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق المتوفى سنة 1186هـ، وأخذ يزدلف إلى هذه الينابيع العلمية الثرة زهاء خمسة أعوام، حتى بلغ درجة الاجتهاد، وشهد له بذلك أساتذته الثلاثة، ولمع نجمه في كربلاء مع وجود هؤلاء الأقطاب الثلاثة."

عاد بحر العلوم إلى النجف ليكمل مسيرته العلمية، فحضر دروس كبار العلماء، ثم غادرها إلى إيران عام 1186هـ، وبقي فيها ست سنوات، وهناك حضر حلقة درس الفلسفة عند السيد الميرزا مهدي الأصفهاني الذي أطلق عليه لقب "بحر العلوم"، وبقي هذا اللقب ملاصقًا له ولأسرته، كما أطلقت عليه ألقاب أخرى منها: "رئيس الإمامية وشيخ مشايخهم"، و"إمام العصر"، و"علامة دهره".
في عام 1193هـ، عاد بحر العلوم إلى النجف الأشرف، ولما توفي أستاذه المرجع الوحيد البهبهاني، تولى بحر العلوم زعامة الحوزة العلمية مكانه، فكان نعم الخلف لنعم السلف، فقام بأعباء المرجعية خير قيام، وقسم مهام العمل فيها على العلماء والفقهاء كل حسب اختصاصه. ورغم مسؤولياته الكثيرة، إلا أنه لم ينقطع عن التدريس.

وقد تخرج على يديه جمع كبير من العلماء الذين حملوا راية العلم من بعده، فكان بحق صانع أجيال ومن تلاميذه:
الشيخ احمد النراقي ،المولى إسماعيل العقدائي ،الشيخ أحمد حفيد الوحيد البهبهاني ،السيد أحمد بن السيد حبيب آل زوين الحسني ،الشيخ أبو علي الحائري ــ صاحب منتهى المقال في الرجال ، الشيخ أسد الله التستري صاحب المقابيس  ، الأمير أبو القاسم حفيد الأمير محمد باقر الخاتون آبادي
،السيد احمد العطار البغدادي وغيرهم كثيرين.
  كما كان له حضور اجتماعي وعلمي واسع، فقد حج بحر العلوم بيت الله الحرام وبقي في مكة لأكثر من سنتين اجتمع مع العلماء من مختلف المذاهب وناظرهم في أمور شتى ونال إعجاب جميع العلماء لمنطقه البارع وخلقه العالي وثبت المواقيت على الطريقة الشرعية، ثم عاد إلى النجف ليحتل مكانته الطبيعية في صدارة الوسط العلمي
ومن إنجازاته تشخيص بعض المواقع والآثار التي لم تكن معروفة قبله منها: تعيين مقام الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في مسجد السهلة ووادي السلام، وقبر المختار بن أبي عبيد الثقفي ومرقدي هود وصالح (عليهما السلام) كما قام ببناء مئذنة الصحن الحيدري الشريف الجنوبية، وتعمير جدران الصحن وغرفه، وتجديد بناء جامع الشيخ الطوسي. 
 
أما في الأدب فكان عضواً بارزاً في ندوة الخميس التي كانت تضم كبار الشعراء في النجف والعراق كالشيخ جعفر كاشف الغطاء، والشيخ حسين نجف وغيرهم.
مؤلفاته:
ترك السيد بحر العلوم ثروة علمية هائلة ومادة علمية وأدبية كبيرة تمثلت في مؤلفاته القيمة التي أصبحت مصدراً مهماً للباحثين والمؤلفين فقد ألف في الفقه والأصول والعقائد والأدب والتاريخ نذكر منها:
المصابيح في شرح المفاتيح في العبادات والمعاملات من الفقه ، الدرة النجفية أو البهية وهي منظومة في الأصول في أكثر من ألفي بيت ولها عدة شروح ، مشكاة الهداية، تحفة الكرام في تاريخ مكة والبيت الحرام، رسالة في العصير العنبي،  شرح باب الحقيقة والمجاز من كتاب الوافي للفاضل التوني
، شرح جملة من أحاديث (تهذيب الشيح الطوسي)
، الفوائد الأصولية، رسالة في تحريم العصير الزبيبي، رسالة في مناسك الحج والعمرة،رسالة في حكم قاصد الأربعة في السفر ،حاشية وشرح على طهارة (شرائع المحقق الحلي)، رسالة في قواعد أحكام الشكوك، حاشية على ذخيرة الحجة السبزواري، رسالة في تحقيق معنى (أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم)، رسالة في انفعال ماء القليل، رسالة في الفرق والملل، رسالة في الأطعمة ولأشربة
، رسالة في تحريم الفرار من الطاعون
، الدرة البهية في نظم بعض المسائل الأصولية
، رسالة في مناظرته لليهود ،ديوان شعر كبير، يناهز الألف بيت، أغلبه في مدح ورثاء أهل البيت (ع)،  الفوائد الرجالية
،حاشية على معالم الأصول، الدّرة المنظومة في الفقه
،أرجوزة في الإمامة تحتوي على (360) بيتًا.

بقي بحر العلوم منبعا للعطاء ورافدا متدفقا للعلم والفكر والأدب طيلة حياته مدافعا عن الدين والمذهب حتى غدا  مدرسة متكاملة، جمعت بين العلم والعمل.
طويت صفحة حياته محمد مهدي بحر العلوم في النجف عام ۱۲۱۲ وبقي أثره حيًا في ذاكرة محبيه ،  فشيع  جثمانه الطاهر  وصلى عليه السيد محمد مهدي الشهرستاني، ودفن في مسجد الطوسي وسيدة على مرقده قبة زرقاء 

 كان رحيله مصابًا جللًا هز القلوب، ففاضت به قرائح الشعراء ، رثاه العديد من الشعراء في طليعتهم تلميذه الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء في قصيدة منها: إن قلبي لا يستطيعُ اصـطبارا     وقراري أبـى الغداةَ القرارا
غشيَ الناسَ حادثٌ فترى الناس سُـكارى وما هم سُكارى