هل يمكن للطالبة أن تُبصر بعين معلمتها؟
سؤال لا ينتهي بـ«نعم» أو «لا»، بل يمتد إلى قضايا فكرية وتجارب إنسانية تجذّرت في أسس التربية والتعليم منذ نشأتهما.
إن رؤية المعلمة لا تقتصر على ما تراه العين، بل تمتد إلى آفاق أوسع من الفهم والتبصر وصناعة الوعي. وهذا يحتاج إلى مساحة من التأثير تصنعها حكمة المعلمة؛ تأثير يخلق أجواءً من الإعجاب والتقدير والثقة. فالمعلمة التي تمنح المعرفة تمنح معها شيئاً من تجربتها الإنسانية أيضاً.
ولأن لكل معلمة معلمةً سبقتها، فقد كانت معلمتي يوماً طالبةً أبصرت بحكمة معلمة تربوية مثقفة، غرست فيها بذور الوعي والخبرة، فنمت معها عاماً بعد عام، ورافقتها في كل مرحلة من مراحل حياتها التعليمية.
أتذكر أن معلمتي سألتني ذات يوم أثناء الدرس:
ـ لماذا خلق الله للإنسان عينين اثنتين؟ أما كان قادراً سبحانه على أن يخلق له عيناً واحدة يبصر بها كل شيء؟
لم أفهم يومها مغزى السؤال، فابتسمت وقالت:
ـ لأنك سترين في الحياة كثيراً من الألم، وستجدين فيها أيضاً كثيراً من الأمل. سترين الدمع والفرح، الظلمة والنور، المحنة والنعمة. وليس من العدل أن نرى الحياة بعين واحدة.
ليس من العدل أن نرى الألم ونغفل عن الأمل، أو أن نرى الدمعة ولا نلتفت إلى البسمة التي قد تولد بعدها. ليس من العدل أن نرى الظلمة دون أن نبحث عن النور، أو أن ننشغل بالأشواك وننسى الورد حين يعانقه المطر.
وأضافت:
ـ لا يكفي أن تنظري إلى الناس بعينيك وأنتِ غافلة عن ذاتك. إن البحث عن الحياة والسعادة والنجاح يبدأ من داخلك أنتِ؛ لأن أحداث الكون تجري وفق سنن ثابتة لا تتغير، أما الذي يمكنك تغييره فهو أفكارك ونظرتك للأشياء. كوني معتدلة في تفكيرك، عادلة في أحكامك، وانظري إلى الحياة بعينين اثنتين.
مضت السنوات، وبقيت كلماتها تنمو في داخلي كلما تقدمت في العمر والتجربة، حتى أدركت أن معلمتي لم تكن مجرد معلمة... بل كانت عيني الثالثة التي أبصرت بها ما لم تكن تراه عيناي.
