تسلّط البحوث الأكاديمية الضوء على التحديات المعاصرة التي تؤثر في سير العملية التربوية، وما أخشاه حقاً أن تتحول المعلمة نفسها إلى جزء من هذه التحديات من خلال سوء الأداء، وضعف الالتزام، وقلة الانضباط. إن نجاح المؤسسات التربوية لا يتحقق إلا عبر منظومة أخلاقية فاعلة، لأن الأخلاق هي الروح الحقيقية للتعليم وأساس حيويته.
المشكلة أن بعض المعلمات يلجأن إلى أساليب قاسية في التعامل مع الطالبات، ومن أكثرها إيلاماً أسلوب التهديد والتخويف والوعيد بالرسوب، والتحدي المقرون بالقسم: «والله لأرسّبج، لو تحفظين المنهج كله». هذه العبارات لا تبني شخصيةً ولا تصنع تفوقاً، بل تزرع الخوف والقلق في نفوس الطالب.
وترتبط هذه المشكلة بذكرى لا تزال عالقة في ذاكرتي؛ إذ توعدتني إحدى المعلمات بالرسوب في بداية العام الدراسي، من دون أن أعرف ما الذي أزعجها مني. ولم تكتفِ بالتهديد، بل حمّلتني رسالة إلى والديّ تقول فيها: «إذا ما يعجبكم، روحوا اشتكوا، وإذا ما تعرفون التربية أنا أدلّكم». كانت حادة في كلامها، قاسية في أسلوبها، حتى بدا تهديدها أكبر من أن تواجهه طفلة لا تعرف ما الذنب الذي ارتكبته.
كانت فطنة أمي هي الملاذ الذي أنقذ الموقف؛ فقد ذهبت إلى المدرسة وعالجت الأمر بحكمة، وانتهت المشكلة بخير. لكن تلك الحادثة تركت في نفسي قناعة راسخة بأن مثل هذه الأساليب تمثل خللاً أخلاقياً يطعن في هيبة المهنة التربوية، ويحوّلها إلى ممارسة مزاجية بعيدة عن رسالتها الإنسانية.
واليوم، وأنا أعمل في مهنة التعليم، أجد نفسي أكثر اهتماماً بهذه القضايا التي ترتبط بثقافة المعلمة ووعيها التربوي. فالمعلمة المثقفة لا يمكن أن تُفزع طالبة أو تهدد أمنها النفسي، لأنها تدرك أن رسالتها تقوم على الاحتواء والتوجيه وبناء الثقة. إن مهنة التعليم تمنح المعلمة فرصة عظيمة لترسيخ علاقات إنسانية نبيلة مع طالباتها، قائمة على الألفة والمحبة والاحترام.
وما زلت إلى اليوم أحتفظ بصورة مشرقة لبعض المعلمات اللواتي كنّ بالنسبة لي أمهات في الحنان، ونماذج في المحبة، وشركاء حقيقيين في صناعة النجاح. لذلك أرى أن المشكلة ليست في الدائرة التربوية بقدر ما هي في أداء بعض المعلمات وضعف إدراكهن لرسالة التعليم السامية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى لوائح واضحة وحازمة تمنع أي تجاوز يخرج عن حدود العمل التربوي، حفاظاً على شرف الانتماء إلى أعظم مهنة يزاولها الإنسان؛ مهنة بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
