مُحَارَبَةُ الفَسَادِ الإدَارِي وَالمَالِي قِرَاءةٌ تَحْلِيْلِيةٌ فِي عَهْدِ الإمَامِ عَليّ (عَليهِ السّلَام) لمَالِك الأَشْتَر (رض) 

        لم يكن منهج الإمام علي (عليه السّلام) في إدارة الأزمات الماليّة مجرّد قواعد تنظيريّة، وإنّما كان منهجًا شاملًا لمختلف المواقف التي تتمثّل في سلوك الولاة والرّعية الإداري والمالي، ذلك المنهج النّابع من صلب الحكمة وميزان العدالة، الذي قال فيه النّبي محمد (صلى الله عليه وآله): ((ما قُبض الله نبيًّا حتّى أمره الله أنْ يوصي إلى أفضل عشيرته، من عصبته، وأمرني أن أوصي، فقلت: إلى من يا رب؟ فقال: أوص _يا محمد_ إلى ابن عمّك علي بن أبي طالب، فإنّي قد أثبتّه في الكتب السّالفة، وكتبت فيها أنّه وصيّك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق ومواثيق أنبيائي ورسلي، أخذت مواثيقهم لي بالربوبيّة، ولك _يا محمد_ بالنبوّة ولعلي بن أبي طالب بالولاية))( ).
       لقد ترك الإمام علي (عليه السّلام) إرثًا فكريًا واسعًا يصبُّ في مختلف جوانب الحياة الفكريّة والعمليّة؛ لنفع النّاس وإصلاح أمرهم، فضلًا عن المدّة الزّمنية القصيرة لخلافته، إلا إنّه استطاع إرساء معالم الإدارة والقيادة النّاجحة بمختلف الوسائل، خطبًا وحكمًا وعهودًا؛ لأنّ مسألة الفساد الإداري والمالي من أهم التّحديات التي تواجه الدّول عبر التاريخ؛ لذلك حرص (عليه السّلام) في عهده لمالك الأشتر حينما ولاه على مصر، على أنْ يضع له أسس الإدارة الاقتصاديّة النّاجحة؛ لمحاربة الفساد الإداري والمالي، ولإقامة العدل بين طبقات المجتمع، ولإحقاق التوازن بين الأفراد حرصًا على سلامة المجتمع الإسلامي من الانحدار،  يتضح ذلك في قوله:
 ((واعلم أنّ الرّعيّة طبقاتٌ لا يصلحُ بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جُنودُ الله ومنها كُتّاب العامّة والخاصّة ومنها قُضاة العدل، ومنها عُمّال الإنصَافِ  والرّفق، وَمِنها أهْلُ الجِزيةِ والخَراج مِنْ أهلِ الذّمةِ ومُسلمةِ النّاس، ومنها التّجار وأهلُ الصّناعات ومنها الطّبقة السُفلى مِنْ ذوي الحاجةِ والمسكنةِ، وكلّ قّدْ سمّى اللهُ لهُ سهمه، و وضعَ على حدّه فريضةً في كتابه أو سنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم عهداً منهُ عندنا محفوظًا))( ).
      يضع الإمام علي (عليه السّلام) في هذا النّص أسسًا واضحة لمكافحة الفساد الإداري والمالي تبدأ بإدراك الفروق بين طبقات المجتمع المختلفة في مستواها المعيشي، مشيرًا إلى أهمّية مراعاة التّلاحم الاجتماعي وترابط المصالح بين تلك الفئات، إذ لا يمكن أن تحيا طبقة اجتماعيّة بمعزل عن طبقة أخرى؛ لذلك يؤكّد الإمام على تحقيق العدالة الاجتماعيّة بين مختلف الطبقات من العامّة والخاصّة، وقد قدّم طبقة الجنود على غيرها لأنّه ((كلّما زادت كمّية الأرزاق، والمواد الخام التي تتمكن البلاد من إنتاجها، التي يقوم الجيش بالدفاع عنها كان ذلك خيرًا للأمة والجيش))( )، فهذه الطّبقة أساس وجود بقيّة الطّبقات لذلك تقدّمت على ذكرها، إذ إنّ صلاح الدّولة نتاج لتحقيق التّوازن والتّكامل بين كلّ هذه الطبقات، هذا التّوجيه الذي يمنع من حدوث الفساد  إذ يحفظ لكلّ ذي حق حقّه، كما يتّضح في قوله (ع): 
((وَتَفَقَدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وصلاحِهِمْ صلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لِأَنَّ النَّاسَ كُلُّهُمْ عِيالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ. وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ، لأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يستقم أمرهُ إلا قليلا))( ).
      يمثّل قول الإمام علي (عليه السّلام) توجيهًا اقتصاديًا وإداريًّا عميقًا، إذ يكشف عن رؤية مُتقدّمة في إدارة الموارد الماليّة للدولة تقوم على تحقيق التّوازن بين الجباية والتّنمية، فالنص يركز على أنّ صلاح الدّولة مرتبط بصلاح النّظام المالي (الخراج) لكن هذا الصلاح لا يتحقق بالجباية فقط، بل من خلال رعاية المنتجين وتحقيق التنمية الاقتصادية، لا سيّما عن طريق الخراج الذي كانت تقوم عليه الدول قديمًا (الناس كلهم عيال الخراج وأهله) أي إنّ الاقتصاد العام يعتمد على الإنتاج الزراعي، فلابد من الاهتمام به ودعمه، وهذا يعكس فهمًا دقيقًا للعلاقة بين الاقتصاد والإدارة والسّياسة، كما يحذر الإمام من السّياسات الماليّة الخاطئة، ((من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد)) أي إنّ فرض الضرائب دون تنمية يؤدي إلى تدهور الاقتصاد وفقر النّاس وانهيار الدولة،  فالفساد الإداري يقود إلى الفساد المالي وانهيار المجتمع، ولكي تكون الدولة قوية لابد أن تُبنى على اقتصاد منتج، وعدالة مالية لا على الضرائب الجائرة. 
  
   كما يؤكّد (عليه السّلام) على مسألة مهمة:
((ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتَّجَارِ وَذَوِي الصَّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهِمْ خَيْراً : الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَالْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالْمُتَرَفْقِ  بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهُمْ مَوَادُ الْمَنَافِعَ، وَأَسْبَابُ الْمَرافِقِ، وَجُلابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَالْمَطَارِح، فِي بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ، وَحَيْثُ لَا يَلْتَئمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا، وَلَا يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ  لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ، وَصُلْحُ لَا تُخْشَىٰ غَائِلَتُهُ وَاعْلَمْ - مَعَ ذَلِكَ - أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقا  فَاحِشَاً، وَشُحًا  قَبِيحاً، وَاحْتِكَارا  لِلْمَنَافِعِ، وَتَحَكُما فِي الْبِيَاعَاتِ، وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلَى الْوَلَاةِ فامْنَعْ مِنَ الاحْتِكَارِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ مِنْهُ. وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْلٍ، وَأَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فَمَنْ قارَفَ حُكْرَةً  بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكُلْ بِهِ، وَعَاقِبَهُ في غير إسراف))( ).
     يكشف النّص عن وعي متقدّم بدور القطاع الخاص، إذ يدعو الإمام إلى الاهتمام بالتجّار وأصحاب الصّناعات، ومعاملتهم بالحسنى، باعتبارهم عنصرًا أساسيًا في تحريك الاقتصاد وتوفير حاجات المجتمع، إذ يجب مراعاتهم إداريًا عن طريق تسهيل الضرائب، والتنقلات؛ لأنّ نجاحهم يسهم في إنجاح الاقتصاد وتوفير السّلع وتحسين مستوى المعيشة، ثمّ ينتقل الإمام علي (عليه السّلام) من دعم التجّار والصناع إلى تنظيم سلوكهم، بما يحقق العدالة ويحمي المجتمع من الاستغلال، فالتجار فضلًا عن أهمّيتهم قد تصدر عنهم بعض الممارسات السّلبية، (كاحتكار السّلع، الطّمع والشّح، والتّحكم في الأسعار)، لذلك يجب أن تتصف إدارة الدولة بالعدالة لتمنع الفساد المالي الذي تسببه هذه الطبقة من المجتمع، لأنّ الحاكم يتحمّل جزءًا كبيرًا من ذلك ((وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة))، لا سيّما أنّ العقوبات مباحة له لمن يقارف احتكار السّلع، ((فمن قارف حكرة فنكّل به، وعاقبه في غير إسراف)).
 ومما تقدم نلحظ أنّ هناك صلة واضحة بين الإدارة السّليمة وحفظ المجتمع من الفساد المالي، فالسوق لا يترك بلا رقابة بل ينظم لتحقيق العدالة؛ لأنّ الحريّة الاقتصاديّة  من دون ضوابط تتحوّل إلى فساد يضر المجتمع بمختلف طبقاته.

علي_بن_ابي_طالب.jpg