• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : تاملات في القران الكريم ح188 سورة الاسراء الشريفة .
                          • الكاتب : حيدر الحد راوي .

تاملات في القران الكريم ح188 سورة الاسراء الشريفة


بسم الله الرحمن الرحيم

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{1}
تفتتح الاية الكريمة بتنزيه الباري جل وعلا ( سُبْحَانَ الَّذِي ) , ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) , الاسراء السير في الليل , اما ( بِعَبْدِهِ ) فرسوله الكريم محمد (ص واله) , ( مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) , مكة المكرمة , ( إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ) , بيت المقدس , ( الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) , بالانهار والاشجار وانواع الثمار , ( لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ) , ليقف ويطلع عيانا على عجائب وغرائب خلقه وقدرته جل وعلا , ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ) , لكل قول او صوت , ( البَصِيرُ ) , بالافعال .    
الاية الكريمة تشير بجملتها الى قصة الاسراء والمعراج المعروفة .

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً{2}
تبين الاية الكريمة ( وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) , التوراة , ( وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ) , اي ان الله تعالى جعل التوراة بيانا وحجة وبرهان ودلالة لبني اسرائيل يهتدون به , وعليه يعتمدون في المسائل والاحكام , ( أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً ) , اي لا تتخذوا يا بني اسرائيل من دون الله تعالى ربا تعتمدون عليه وتفوضون اموركم اليه , وتقصدونه بالنوائب والشدائد .      

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً{3}
تبين الاية الكريمة امرين على اقل التقادير :
1-    ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ) : نسل من حمل مع نوح (ع) على ظهر سفينته , فنجو من الغرق .
2-    ( إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ) : يصف النص المبارك نوحا (ع) بصفتين :
أ‌)    ( عَبْداً ) : لقد وصفت الاية الكريمة السابقة النبي الكريم محمد (ص واله) بالعبد ايضا ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) , وللعبد مفهومين :
أ-1- عام : من باب الكل عبيد الله تعالى .
أ-2- خاص : منزلة خاصة ودرجة من درجات ذوي الايمان واهل اليقين .  
ب‌)    ( شَكُوراً ) : كثير الشكر .
( عن الباقر عليه السلام أنه سئل ما عنى بقوله إنه كان عبدا شكورا فقال كلمات بالغ فيهن قيل وما هن قال كان إذا أصبح قال أصبحت أشهدك ما أصبحت بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فإنها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد على ذلك ولك الشكر كثيرا كان يقولها إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا ) ."الكافي , تفسير العياشي , تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .        

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً{4}
تكشف الاية الكريمة عن امر مستقبلي على قدر من الاهمية بمكان ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ) , اخبرنا او اوحينا الى بني اسرائيل وحيا قاطع بات , لا ريب فيه ولا شك ولا شبهة , ( فِي الْكِتَابِ ) , ذلك الوحي او الخبر في التوراة , ( لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) , سيقع الفساد والافساد من بني اسرائيل مرتين , والفساد هنا ( الظلم – والاستيلاء على المال بالربا وغيره – وقتل الانبياء "ع" – سفك الدم بغير وجه حق – سائر المعاصي الاخرى التي تتفرع منها ) , والمكان هو بيت المقدس , ( وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ) , العلو نضير العتو , وهو الجرأة على الله تعالى والتعرض لسخطه جل وعلا في كل موجبات ذلك .   

فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً{5}
تتكلم الاية الكريمة عن الافساد الاول لبني اسرائيل ( فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا ) , فأن كان منكم هذا الافساد ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) , ستكون عقوبتكم ان يرسل عليكم عز وجل من يصفهم بأنهم ( عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ) , ذوي قوة وشوكة وبطش شديد في الحروب , ( فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ ) , هؤلاء العباد يطوفون خلال الديار بحثا عنكم , ما يجعلكم رهينة القتل والسبي , واموالكم ستكون غنيمة لهم , ( وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ) , هذا الوعد بالعقاب الالهي لكم ( بني اسرائيل) لا ريب واقع ومتحقق .           
تتباين الاراء حول العقاب الرباني لبني اسرائيل , فوضع له احتمالين :
1-    ما اورده السيوطي في تفسير الجلالين حيث خلص الى القول ( وقد أفسدوا الأولى بقتل ذكريا فبعث عليهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم وخربوا بيت المقدس ) .
2-    وهناك اراء تشير الى السبي البابلي ( الاول او الثاني او كليهما ) , غير انها لا تلتقي مع مفهوم الاية الكريمة حيث عبرت عن هؤلاء انهم  ( عِبَاداً لَّنَا ) , فهؤلاء الغزاة لا ينطبق عليهم كونهم عبادا لله تعالى , بل كانوا يعبدون الاصنام وغيرها , اللهم اذا كان المقصود من العباد المعنى العام وليس المعنى الخاص كما تقدم .    

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً{6}
تبين الاية الكريمة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ ) , الدولة والغلبة , ( عَلَيْهِمْ ) , على البعث الاول , ( وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ) , يبدو ان النص المبارك يشير الى ان الله تعالى عوّض بني اسرائيل عما فقدوه من الاموال والاولاد في عقاب الافساد الاول , ( وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) , ليس الاموال والاولاد فقط , بل اكثر عدة وعددا , ( والنفير من ينفر مع الرجل من قومه والمجتمعون للذهاب إلى العدو ) . "تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .               

إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً{7}
الاية الكريمة تصب في محورين :
1-    ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) : يشير النص المبارك الى تخيير بني اسرائيل عند عودة الكرة ( الدولة والغلبة ) بين الاحسان والاساءة , ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ) , احسانكم يعود عليكم , وثوابه لكم , وسوف تنصرون على اعدائكم , ( وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ) , يلاحظ ذكر اللام مكررا مع الاحسان والاساءة , وفيها ننقل رأيين :
أ‌)    عن علي عليه السلام ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية قيل وإنما ذكر باللام إزدواجا . "تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني نقلا عن كتاب الجوامع" .
ب‌)    عن الرضا عليه السلام وإن أسأتم فلها رب يغفر . "تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني نقلا عن كتاب اخبار عيون الرضا (ع)" .                                      
2-    ( فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) : يبين ويشرح النص المبارك حال بني اسرائيل ( فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ ) , عند العقاب المستحق عليهم في الافساد الثاني , وفيه ثلاثة جوانب :
أ‌)    ( لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ ) : تبدو عليها اثار الذل والهوان والحزن الشديد , بعد التعرض للقتل والسبي وغيره . 
ب‌)    ( وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) : فيدخلوا المسجد الاقصى كما دخلوه في المرة السابقة .
ت‌)    ( وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً ) : ثم انهم ليهلكوا ما غلبه واستولى عليه بني اسرائيل مدة علوهم  .       
يذهب السيوطي في تفسيره الجلالين الى ان ذلك قد تحقق ايضا , فيخلص الى القول ( وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم الوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس ) , الا ان هذا الموضوع مثيرا للجدل بين المفسرين والمحققين والمفكرين واصحاب الرأي .

عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً{8}
نستقرأ الاية الكريمة في ثلاثة موارد :
1-    ( عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ) : عسى الله تعالى ان يرحمكم ان اخترتم طريق التوبة و الاحسان كما جاء في الاية الكريمة السابقة .
2-    ( وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ) : يتضمن النص المبارك تهديدا صريحا لبني اسرائيل , ان عدتم الى طريق الظلم ( الاساءة كما في مضمون الاية الكريمة السابقة ) , ( عُدْنَا ) , في عقاب الهي ثالث , وهذا المعنى لا يفيد الحصر , بل يفيد الاطلاق .   
3-    ( وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً ) : سجنا وحبسا لا يتمكنون ولا يستطيعون  الخروج منه ابدا .   

إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً{9}
تبين الاية الكريمة ( إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ ) :   
1-    ( يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) : اقوم الطرق والمسالك واشدها عدلا استقامة .
2-    ( وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) : وهو ايضا بشارة خير للمؤمنين القائمين بصالح الاعمال , ( أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) , لهم ثوابا كبيرا لا يعلمه الا الله تعالى ذكره ومجده .   

وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً{10}
تضمنت الاية الكريمة محورين :
1-    تخبر ان الله تعالى اعدّ لمن لا يؤمن بالاخرة العذاب الاليم .
2-    تضمنت الاية الكريمة بشارة ثانية للمؤمنين , بأن الله تعالى ذكره سيعاقب اعدائهم ويذيقهم العذاب الاليم . 


 




  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=43451
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 03 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2021 / 06 / 20