• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : المقالات .
              • القسم الفرعي : المقالات .
                    • الموضوع : مقياس التنبؤ الاستراتيجي الاسرائيلي والزلزال المصري .
                          • الكاتب : علي بدوان .

مقياس التنبؤ الاستراتيجي الاسرائيلي والزلزال المصري

قلبت معطيات ووقائع الحدث المصري، الطاولة على رأس صناع القرار في الدولة الصهيونية، الذين أصيبوا بذهول كبير جراء الانتكاسة التي وقعت في التقديرات والتنبؤات الاستراتيجية التي كانت أجهزة الأمن "الإسرائيلية" قد قدمتها لأصحاب القرار في "إسرائيل" قبل أقل من شهر واحد من اندلاع الانتفاضتين المصرية والتونسية، والتي لم يكن في حسبانها أن مصر سوف تشهد هذه الأحداث حتى بعد المؤشرات التي بدأت تباشيرها تنطلق من تونس وغير تونس، بل وأكثر من ذلك فإن تلك التقديرات وعند تطرقها للوضع المصري الداخلي، كانت قد أشارت إلى احتمال كبير لوقوع انتقال سلس شيئاً ما للسلطة في مصر إلى اللواء عمر سليمان مدير المخابرات الحربية المصرية، نافية إمكانية حدوث مسألة التوريث في مصر، أو هبوب رياح انتفاضة عاتية لاقتلاع النظام. 
وقبل أيام، نشرت بعض المطبوعات الإسرائيلية، مقاطع من تلك التقديرات، التي قدمتها أجهزة الأمن "الإسرائيلية" في إطار تقرير معنون تحت مسمى (التنبؤات الاستراتيجية للعام 2011) وكان التركيز فيها يدور حول الملف النووي الإيراني، وموضوع حزب الله وحركات المقاومة في فلسطين، إضافة للوضع التفاوضي المتوقف على المسار السوري/الإسرائيلي. 
ففي الشأن المتعلق بالملف الإيراني، اعتبرت التقديرات إياها، أن إيران ستبقى محطّ التركيز الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية خلال العام 2011، ولكن الأميركيين سيسعون إلى تجنب وقوع مواجهة عسكرية معها، فيما يتهيأ الإيرانيون لها، حيث باتت الولايات المتحدة مقتنعة بأن توجيه ضربة تقليدية بقيادتها لإيران لن تكون كافية لشلّ البرنامج النووي الإيراني، ناهيك عن إضعاف إيران التي تعتبر القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة. 
وانطلاقاً من ذلك، فإن التقديرات والتنبؤات الاستخبارية الإسرائيلية المشار إليها، قللت من احتمال توجيه ما أسمته "ضربات جراحية أميركية" تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، متوقعة أن يتوقف الرد الإيراني حيال وقوع أي عمل عسكري أميركي ضد إيران بإغلاق مضيق هرمز، وبالتالي في وقوع انعكاسات مؤثرة وهامة على الاقتصاد العالمي إذا لم يواكب ذلك حربٌ حدودية يراد منها تدمير القوات العسكرية التقليدية الإيرانية (البحرية والجوية والبرّية) بواسطة سلاح الجوّ الأميركي، وهو أمر ممكن، لكنه سيستغرق شهوراً عدة وربما يكون محفوفاً بالكثير من المخاطر أيضاً. 
أما بالنسبة لحزب الله، فان التقديرات الأمنية الإسرائيلية حيال حزب الله تقر باعتباره بات يشكّل أحد أكبر التهديدات الأمنية التي يتوقع لها أن تواجه "إسرائيل" خلال العام 2011. فيما أشارت مادة التقرير والتنبؤات ذاتها إلى أن الأمور ستبقى هادئة نسبياً على جبهة قطاع غزة، لأن لدى حركة حماس مصلحة في المحافظة على هدنتها قصيرة المدى مع "إسرائيل" وفق التقديرات والتنبؤات الأمنية "الإسرائيلية" إياها، لكنّ مادة التقرير تضيف القول بأن "الضغوط التي تمارسها الحركات الإسلامية المتنافسة والجهود المستمرّة التي تبذلها "إسرائيل" لكي لا تزداد حركة حماس قوة ستؤدي إلى اندلاع اشتباكات على الأرجح خلال السنة وإن لم تكن ستصل إلى ما وصلت إليه في معركة عام 2008-2009". 
وبالطبع فان انطلاق شرارات الحدثين المصري والتونسي، دفعت بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية، للإسراع في تناول ودراسة الأحداث المستجدة، وإيجاد الإجابات المترتبة عليها، وتقديم التفسيرات المطلوبة لصناع القرار في "إسرائيل"، وبالتالي في إعادة تقييم رؤاها الاستراتيجية، بعد أن رأت في تلك التطورات "تهديداً كبيراً للمنطقة بأسرها" انطلاقاً من أن تلك المتغيرات "متغيرات استراتيجية سيكون لها الأثر العميق على مجمل منطقة الشرق الأوسط". 
وعليه، فإن التقديرات الاستخباراتية "الإسرائيلية" الجديدة التي حاولت استيعاب الحدثين المصري والتونسي وتقديم الإجابات على التساؤلات المطروحة، باتت تتحدث عن تغيرات مهمة سيكون لها انعكاس كبير على المنطقة والعديد من الدول العربية وكذلك السلطة الفلسطينية في رام الله، بحيث لن تقدم السلطة الفلسطينية في شهر سبتمبر القادم 2011على التوجه إلى مجلس الأمن سعياً وراء الاعتراف الأممي بالدولة الفلسطينية المستقلة، وإنما سوف تعمل حتى نهاية العام على دفع مزيد من الدول إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليصبح في النهاية هذا مطلب الأمم المتحدة ومجلس الأمن. 
أما بالنسبة إلى لبنان، وحزب الله، فان التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية بعد الحدثين المصري والتونسي، باتت تتحدث الآن، عن انتعاش جديد لحزب الله، وبروز حالة من التهدئة الداخلية والارتياح في لبنان، وركون واضح في ملف المحكمة الدولية، خصوصاً بعد حل استعصاءات تشكيل حكومة جديدة كلف بها المعتدل نجيب ميقاتي المقرب من جميع الأطراف اللبنانية بما فيها حزب الله. بل وتذهب المصادر الأمنية الإسرائيلية في تقديراتها للقول بأن حزب الله سيعمل على الأرجح باتجاه بسط نفوذه بشكل كامل على لبنان. 
إن المشكلة الكبرى المستعجلة التي برزت في التقارير المستجدة للاستخبارات الإسرائيلية، لا تتحدث الآن عن معاهدة كامب ديفيد بالرغم من الرعب الحقيقي الذي ينتاب "إسرائيل" بشأن مصير تلك المعاهدة على المدى المنظور بعد انتصار الانتفاضة المصرية، بل تتحدث الآن عن ما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في شبه جزيرة سيناء، وذلك من خلال سيطرة (البدو من أبناء مناطق سيناء) والذين تربطهم علاقات جيدة تسمح لهم بالتواصل مع قطاع غزة وسكانها وفصائلها الفلسطينية وخصوصاً حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بما في ذلك رفع منسوب عمليات ما تسميه المصادر الأمنية الإسرائيلية "تهريب السلاح إلى قطاع غزة" وهو ما يفرض من الوجهة الإسرائيلية "الاستعداد لمواجهة هذه المتغيرات الإستراتيجية بخطوات سياسية وكذلك عسكرية". 
إن عجز النخب الأمنية والسياسية والعسكرية "الإسرائيلية" في تقدير الموقف الاستراتيجي واستشفافه للعام 2011 يعبر في أحد تجلياته عن قصور كبير في الرؤية "الإسرائيلية" لحراكات الشعوب العربية. ف"إسرائيل" والولايات المتحدة وصلتا إلى حدود كبيرة من الاقتناع بأن مصير المنطقة العربية يرسم داخل الغرف المغلقة وفي إطار المفاوضات السرية وغيرها التي تتم بعيداً عن الناس وعن إرادة الشارع. 
إن الانتفاضتين المصرية والتونسية، شكّلتا صفعة للتقديرات الأميركية والإسرائيلية، وأعادتا تذكير العالم بأن الشعوب هي التي تقرر مصيرها في نهاية المطاف وليس المتفاوضون وحدهم، خصوصاً وأن المفاوضات تفتقد للحدود الدنيا من التوازن
صحيفة الوطن العمانية
العدد الصادر صباح الخميس 10/3/2011



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=3963
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2011 / 03 / 10
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 01 / 21