• الموقع : كتابات في الميزان .
        • القسم الرئيسي : ثقافات .
              • القسم الفرعي : ثقافات .
                    • الموضوع : صاحب الامر يمسك بهذا القلب الضعيف .
                          • الكاتب : الشيخ جميل مانع البزوني .

صاحب الامر يمسك بهذا القلب الضعيف

عندما ادخلوه الى الغرفة كانت قدميه لا تحملانه من شدة انحباس الدم فيهما وقد حاول احد المعتقلين ان يخفف عنه فقال له معاتبا :
لماذا كنت تزعجنا طوال الله الا تستطيع النوم في الليل .
فاجاب : بانه كان نائما ولا يدري عن اي ازعاج يتحدث هذا المعتقل الذي كسرت يده في التحقيق ويبدو انه صمد الى درجة كبيرة لكنه تفاجأ عندما قال له : لقد اعترفت بتهمة التجسس لصالح مخابرات دولة مجاورة .
واصابه الاحباط بسبب ذلك فاقترب منه شخص كان يريد التخفيف عنه بسبب الالام التي في جسده وعرفه بنفسه قائلا :
انني اخوك محمد حسين الشمري ما هي اخبار التحقيق معك .
فقال له : انني لا زلت في التحقيق , وسكت .
فقال محمد : هل اعترفت ؟
فقال المعتقل الجديد له : كلا لم اعترف ولم تسال ؟.
قال له محمد : هناك شخص : كان يبكي كثيرا عندما يسمع انينك طوال الليل .
فقال له المعتقل الجديد : اعرف من سيفعل ذلك انه السيد هادي .
فقال محمد : اصبت فعلا , وكيف عرفت ؟.
قال له : انه صديق طفولتي ونحن ندرس في الحوزة معا وهو يعرف من جاء به الى هنا ولماذا ؟.
فقال محمد : وهل تعرف من جاء بك ؟
قال المعتقل الجديد : من جاء بي هو ابن خالته احمد وقد عرفت ذلك في اول ليلة عندما وقف على راسي ونصحني قبل ان يبدؤا تعذيبي وقال لي بالحرف الواحد : بان الصمود هنا لا معنى له وانه طريق الى العالم الاخر وانه لم يصمد احد في هذا المكان الا وقد انتقل الى العالم الاخر. 
قال محمد : وما هي التهمة التي وجهت اليك ؟
قال المعتقل الجديد: انها تهمة كبيرة لا داعي لذكرها لانها من صنع من جاء بي .
وعندما اصر محمد على معرفتها .
قال له المعتقل الجديد : ان احمد يتهمني باني ممثل المعارضة العراقية في الخارج ومعي شخص اخر في البصرة .
فقال محمد : ولماذا لم ياتوا بالشخص الاخر الى الان ؟
فقال المعتقل الجديد: انهم ينتظرون اعترافي على نفسي وعليه وانا لا اقول شيئا من ذلك حتى ان الضابط الذي يحقق معي عندما تعب من طول التحقيق معي قال لي لماذا لا تقول لنا اي شيء ثم بعد انكره كما يصنع غيرك من المعتقلين .
قال محمد : ولماذا لم تفعل ؟
قال المعتقل الجديد : انها خدعة يا عزيزي .
فقال محمد:ومن اين علمت انها خدعة فالانسان لا يعرف ذلك الا اذا كان مخضرما من مخضرمي المعتقلات .
سكت المعتقل الجديد ولم يرد عليه فعرف الشمري بفراسته ان المعتقل الجديد صاحب خبرة فقال في نفسه انه الشخص المطلوب من اجل القيام بالمهمة .
فقال له محمد : كم مرة مررت بهذا الوضع ؟
قال المعتقل الجديد : ولماذا تسال ؟
فقال له محمد : انني اقوم بمهمة تعليم المعتقلين الجدد كيفية الصمود اثناء التحقيق واحتاج الى شخص يساعدني في ذلك وانت صاحب خبرة كما اعتقد وسوف تنفعني في ذلك .
فقال المعتقل الجديد: انهم يعرفون ذلك ولذلك تركوني في الممر حتى انتهى التحقيق معي فقد قام احمد الواشي باخبارهم بذلك ولكنه اخبرهم عن مرة واحدة فقط .
فقال الشمري : وكم اعتقال لديك في الحقيقة عندي اكثر من ذلك ولكن احمد هذا شخص منحرف وهو لا يعرف اخبار الشباب المؤمن في المنطقة فبالرغم من انه من جيران بيتنا الا انه كان شخصا مستهترا ولا يهتم لمثل هذه الامور ولذلك فقد اخبرهم اني معتقل مرة واحدة .
استبشر الشمري بالقادم الجديد وعلم انه حصل على معونة الهية في القيام بمهمته فعرّفه الهدف من المهمة وبدأ الفريق الثنائي مهمة الارشاد والتعليم.
وعندما سال عن البقية المعتقلين تعجب القادم الجديد من ان جميع الموجودين في هذه الغرفة قد اعترفوا بل واكثر اعترافاتهم غير واقعية خوفا من شدة التعذيب .
وفي احد الايام بدأ التحقيق مع طالب من طلاب الحوزة لا زال محكوما في سجن ابي غريب وقد اعترف لهم بكل شيء وعندما دخل الغرفة عرفه القادم الجديد .
فساله عن حاله فاخبره الطالب انه لا زال محكوما ولكن احمد الواشي قد جاء به في قضية جديدة ولما كان هذا الطالب تلميذا من تلاميذ القادم الجديد فقد ساله قائلا : ولماذا اعترفت لهم بهذه السهولة ؟
فقال الطالب : ماذا اصنع ان احمد الواشي كان واقفا فوق راسي واعترف بكل شيء وقد ايدت كلامه .
قال له القادم الجديد :وهل تعرف حكم هذه االتهمة التي اعترفت بها ؟
قال الطالب : كلا 
فقال له القادم الجديد : انه الاعدام .
فانزعج الطالب من  ذلك كثيرا وقال : ماذا اصنع لقد اعترفت .
قال له القادم الجديد : يمكن ان تنكر ذلك كله .
فقال الطالب : وكيف ؟
قال له القادم الجديد : في صلاة الفجر تصيح باعلى صوتك وتضرب راسك في الحائط وتنادي بامور غير مفهومة وتضرب كل من يقترب منك وتتحدث الى نفسك ولا تلتفت الى اي شخص يريد الحديث معك بطريقة عقلانية بل تسبه كائنا من كان واذا استطعت اضربه وهكذا وسوف نصيح ان هذا المعتقل قد جن وعند ذاك سوف ياخذونك الى غرفة التحقيق سيضربونك ويحاولوا اكتشاف امرك اضرب نفسك ولا تقل كلاما له علاقة بهذا المكان وبعد ساعة سيتركونك .
قال الطالب : بهذه السهولة سيتركوني ؟؟؟
قال القادم الجديد : كلا هذه المرحلة الاولى وهي اهم مرحلة ثم سيكتبون كتابا موجها الى مستشفى الامراض العقلية ويرسلونك معه لكي يتاكد الاطباء من وجود حالة نفسية اوعقلية عندك .
وفي المستشفى اساليبهم معروفة سوف يعطونك بعض الحبوب التي تخفف من ردة الفعل ويعرضونك الى  صدمات كهربائية من اجل العلاج ويتركونك تحت المراقبة وعليك ان تحافظ على الاعراض التي ساخبرك بها وعند ذلك سيكتبون تقريرا مفاده انك تمر بحالة كآبة حادة مع انهيار عصبي وبسبب ذاك سوف تلغى كل اعترافاتك التي جرت هنا وسوف يعيدونك الى سجن ابي غريب وهناك يمكنك هناك التخلص من اثار العلاج تدريجيا .   
وعندما سمع الطالب هذا الشرح قال : كيف عرفت كل هذه التفاصيل ؟ هل قمت بذلك بنفسك ؟
قال القادم الجديد : كلا ولكن هذه الخدعة معروفة في المعتقلات وقد خرج الكثير من المؤمنين بسببها لان المسالة تدور بين الاعدام وهذه التمثيلية التي تحتاج الى صبر وقلب فولاذي ملأه اليقين بان الامر كله بيد الله .
عرف القادم الجديد من تفاصيل وجه تلميذه انه لا يستطيع القيام بالمهمة فاخبر  الشمري بما جرى فاستبشر الشمري بالطريقة ولكنه لم يقبل على تعليم لكل شخص بهذه الخدعة لانه من الممكن ان يقوم بذلك ثم يضعف اثناء الامر ويعترف اننا من علمه ذلك .
 في هذه الاثناء سال الشمري صاحبه : من اين تعلمت هذه الخدعة ؟
فقال له : انها طريقة اتبعها كثير من المؤمنين للخلاص من الاعدام وعليك اتقانها واتقان تفاصليها حتى تعلمها من يكون امره قد وصل الى الاعدام .
فسال الشمري :ولماذا لم تستخدمها اثناء التحقيق وقد وصل الامر بك الى حالة عدم القدرة على الحركة وقد قضيت شهرا يحملك المعتقلون من مكان لاخر.
قال القادم الجديد : ان القلب له قدرة على التحمل والصبر وانا عندما كنت ادخل الى هناك كنت احدث نفسي واوجه كلامي الى جهتين اقول الهي انت تعلم اني عبدك واني مظلوم وانا على يقين من انك عادل فلا تحملني الا ما اطيق ثم اتوجه الى صاحب الامر واقول انني ياسيدي لوكنت مع السلطان لكان حالي غير هذا الحال وقد قلتم ان من يريد محبتكم واتباعكم فليلبس للبلاء جلبابا وانا منذ عشرين عاما البس جلبابي اما آن الاوان ان استحق الربط على قلبي الضعيف فعند ذاك اشعر ان يدا امسكت بقلبي الضعيف وجعلتني اشعر بان قلبي قد تحول الى عالم اخر وانه لا يشعر بما يحصل هنا ولذلك لم اكن بحاجة الى هذه الطريقة بعد ان اصبحت قادرا  على الصمود الى نهاية حفلة التعذيب وانا اعلم انني ساخرج قريبا جدا لانهم كتبوا في افادتني اسمي وعدد اطفالي فقط ومن يكتبون في افادته مثل هذه الامور فقد جاوز القنطرة ببركة صاحب الامر والاعتقاد بالعدل الالهي .



  • المصدر : http://www.kitabat.info/subject.php?id=54146
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 11 / 22
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 05 / 25