بسم الله الرحمن الرحيم
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ{105}
تبين الآية الكريمة ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ ) , كتاب داود "ع" , ( مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ) , ام الكتاب الذي عند الله تعالى , ( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) , يختلف المفسرون في مفردة الارض , فمنهم من يرى انها الجنة , ومنهم من يرى انها المعمورة , في كلا الرأيين ان واريثها الصالحون , من صلح ايمانهم وعملهم , وصلحت نفوسهم .
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ{106}
تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها ( إِنَّ فِي هَذَا ) , ذكر ما تقدم , او القرآن الكريم على اراء اخرى , ( لَبَلَاغاً ) , ما يكفي لبلوغ الغاية , ولدخول الجنة , والسلامة من اخطار واهوال يوم القيامة , ( لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ) , خصوا بالذكر كونهم الاكثر انتفاعا بذلك , حيث ان همهم العبادة , عبادته عز وجل بما شرعه ورضيه لهم , قائمين بها , عاملين عليها .
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ{107}
تبين الآية الكريمة مؤكدة في خطابها للنبي الكريم محمد "ص واله" والمعني به عموم الثقلين "الانس والجن" ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ) , يا محمد , ( إِلَّا رَحْمَةً ) , رحمة خالصة منه جل وعلا لكل سكان المعمورة , ( لِّلْعَالَمِينَ ) , للإنس والجن .
( وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث مجيبا لبعض الزنادقة وأما قوله لنبيه صلى الله عليه وآله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وإنك ترى أهل الملل المخالفة للأيمان ومن يجري مجراهم من الكفار مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير فإن الله تبارك وتعالى اسمه إنما عنى بذلك إنه جعله سبيلا لأنذار أهل هذه الدار لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض وكان النبي صلى الله عليه وآله منهم إذ صدع بأمر الله وأجابه قومه سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالافة التي كانت نبيهم يتوعدهم بها ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة أو غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الامم الخالية وأن الله علم من نبينا صلى الله عليه وآله ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه لا نبي بعدي وليس من خليقة النبي صلى الله عليه وآله ولا من شيمته أن يقول قولا لا معنى له فلزم الامة أن تعلم أنه لما كانت النبوة والاخوة موجودتين في خلق هارون ومعدومتين فيمن جعله النبي صلى الله عليه وآله بمنزلته أنه قد إستخلفه على امته كما إستخلف موسى هرون عليه السلام حيث قال له اخلفني في قومي ولو قال لهم لا تقلدوا الأمامة إلا فلانا بعينه وإلا نزل بكم العذاب لأتاهم العذاب وزال باب الأنظار والأمهال .
وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لجبرئيل لما نزلت هذه الآية هل أصابك من هذه الرحمة شيء قال نعم إني كنت أخشى عاقبة الامر فآمنت بك لما أثنى الله عليّ بقوله ذي قوة عند ذي العرش مكين ) . "تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني" .
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{108}
الآية الكريمة تخاطبه "ص واله" موجهة اياه ان يعلن للناس ( قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ ) , ينزل عليّ الوحي , اختارني الله عز وجل لهذه المهمة , ( أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) , ما يوحى اليّ ان الله واحد , وهذا اصل بعثته "ص واله" , التوحيد , ( فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) , منقادون للوحي , مخلصون بعبادته جل وعلا .
يرى بعض المفسرون ان صيغة السؤال ( فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) بمعنى الامر .
تنبغي الاشارة الى قارئ القرآن الكريم والمستمع اليه ضرورة ان يجيب بما يناسب على مثل هذه التساؤلات الواردة فيه .
فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ{109}
تستمر الآية الكريمة في موضوع سابقتها ( فَإِن تَوَلَّوْا ) , اعرضوا وانصرفوا عن الوحي والتوحيد , ( فَقُلْ آذَنتُكُمْ ) , اعلمتكم ما اخبرت وبلغت به , ( عَلَى سَوَاء ) , عدل , ( وَإِنْ أَدْرِي ) , لا ادري , ( أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ) , قريب ام بعيد ما توعدون به من العذاب او يوم القيامة .
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ{110}
تصرح الآية الكريمة ( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ) , انه جل وعلا يعلم ما تجاهرون به من الطعن بالإسلام , ( وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ) , من المؤامرات والحقد على المسلمين .
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{111}
تستمر الآية الكريمة ( وَإِنْ أَدْرِي ) , لا ادري , ( لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ ) , لعل تأخير جزائكم استدراجا لكم وزيادة في افتتانكم , وامتحانا و اختبارا لكم , ( وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ) , تمتع الى اجل معلوم , الى حين انقضاء آجالكم , وفقا لحكمته عز وجل .
قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ{112}
تروي الآية الكريمة كلاما له "ص واله" جاء فيه :
1- ( قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ) : يتوجه النبي الكريم محمد "ص واله" بكلامه الى الله تعالى اولا , داعيا اياه جل وعلا ان يحكم بينه وبين من كذب به .
2- ( وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) : في الشطر الثاني من كلامه "ص واله" يوجهه الى الناس "الكفار" , فيختار كلماته "ص واله" بدقة بالغة ( وَرَبُّنَا ) , ربي وربكم ايها الكفار , ( الرَّحْمَنُ ) , كثير الرحمة , رحمته وسعت البر والفاجر , المؤمن والكافر , ( الْمُسْتَعَانُ ) , الذي تطلب منه المعونة , ( عَلَى مَا تَصِفُونَ ) , "من الحال بأن الشوكة تكون لهم وأن راية الاسلام تخفق أياما ثم تسكن وأن الموعد به لو كان حقا لنزل بهم فأجاب الله دعوة رسوله فخيب أمانيهم ونصر رسوله عليهم " . - تفسير الصافي ج3 للفيض الكاشاني- .
قناتنا على التلغرام :
https://t.me/kitabat
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat