أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السَّنةُ الخامِسَةُ (١٥)
نزار حيدر
المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.
نزار حيدر

{وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا}.
إِنَّ من أَبرز مصاديق هذه الآية المُباركة الْيَوْم هو الإِمام السِّبط الحسن بن علي المُجتبى (ع) الذي تُصادف الَّليلة [١٥ رمضان المُبارك سنة ٣ للهِجرةِ] ذكرى ولادتهِ المُباركة.
إِنَّهُ المصداق البارز لهذا المفهُوم العظيم الذي يصفهُ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بقولهِ {وَلِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يَرِثُهُ غَيْرُهُ} وهل تظنُّ أَنَّ الأَمرَ سهلٌ؟!.
فعلى الرَّغمِ من كلِّ حملات التَّشويه والتَّشهير الظَّالمة التي تعرَّض لها (ع) على يدِ الأَموييِّن وفُقهاء البِلاط الأَموي، وعلى الرَّغمِ من قساوةِ الدَّعايات والأَكاذيب التي واجهها على مرِّ التَّاريخ! وعلى الرَّغمِ من مُحاولات سِرقةِ علومهِ وأَحاديثهِ وأَقوالهِ وما تركهُ للأُمَّةِ من تُراثٍ وأَسفارٍ! على الرَّغمِ من كلِّ ذلك إِلّا أَنَّهُ بقِىَ ويبقى أَحد أَبرز أَئِمَّة وأَعلام الأُمَّة التي يذكرها القاصي والدَّاني بالخيرِ والإِجلالِ والإِعظامِ ويعودُون إِليهِ ويستشهدُون بعلومهِ ومواقفهِ وأَخلاقهِ السَّامية وسيرتهِ ومسيرتهِ.
وهذا واحدٌ من الأَدلَّة الدَّامغة على أَحقيَّةِ أَهلُ الْبَيْتِ (ع) الذين قال عنهم ربُّ العزَّة {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
فكما أَنَّ الله تعالى حفظَ القرآن الكريم من التَّحريف والتَّغيير والتَّبديل {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كذلك فلقد شاءت إِرادةُ الله تعالى أَن يحمي أَهْلَ البيت (ع) من كلِّ المُحاولات الظَّالمة التي استهدفت تشويهِ حقائقهِم! ولولا يدُ الغيبِ ولولا أَنَّهم على حقٍّ في قولهِم وفعلهِم وتقريرهِم لذهبُوا مع الرِّيح في ظلِّ كلِّ هَذِهِ الحملة الظَّالمة والمساعي العُدوانيَّة التي لم ولن تنتهِ ضدَّهم!.
وصدقَ الله تعالى الذي قَالَ في كتابهِ الحكيم {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي}.
فأَهلُ البيت (ع) مصداقٌ لقولهِ تعالى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} فسيرتهُم الهداية وفعلهُم الخير ومواقفهُم الحقّ.
إِنَّ المُنصفين فقط يعرفُون ما الذي فعلهُ الإِمام الحسن السِّبط المُجتبى (ع) عندما قبِلَ بقرارِ وقفِ إِطلاق النَّار معَ طاغية الشَّام الطَّليقُ إِبنُ الطَّليقِ إِبنُ آكلةِ الأَكبادِ مُعاوية بن أَبي سُفيان والمشهور بوثيقة الصُّلح، فلقد حقَّق الإِمامُ بذلكَ ثلاثة ثوابت إِستراتيجيَّة للأُمَّة على مرِّ التَّاريخ؛
١/ أَن تتحمَّل الأُمَّة المسؤُوليَّة إِزاء التحدِّيات التي تمرُّ بها! فلا يمكنُ لأَحدٍ أَن يفلِتَ منها بأَيَّةِ ذريعةٍ! وأَنَّ الأُمَّة التي تتهرَّب من المسؤُوليَّة لا تستحق أَن تعيشَ بكرامةٍ وأَنَّها ستدفع الثَّمن عاجلاً أم آجلاً.
فعندما تَكُونُ الأُمَّة بالوصفِ الذي يسردهُ القرآن الكريم بقولهِ {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} فسيدفع هذا النَّوع من الأَجيال الثَّمن بالسَّبب الذي تذكرهُ الآية المُباركة {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.
لقد ظنَّت الأُمَّة أَنَّ الإِستسلام للطَّاغوت سيُجَنِّبها المخاطر فتركت الحقَّ وخانتهُ وتآمرت عَلَيْهِ وهربت إِلى الباطلِ بحثاً عن العزَّة ولكن {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا* كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} وهذا ما حصلَ ولو بعدَ حينٍ.
وصدقَ أَميرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) في وصفهِ قائلاً {أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الِاعْتِسَافِ وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ}.
٢/ يمكنُكَ أَن تفضح الطَّاغوت ونواياهُ الخبيثة وأَجنداتهِ السريَّة وخططهِ العُدوانيَّة التدميريَّة بالصُّلحِ كما يُمكنكَ ذلك بالحربِ.
فلقد فضحَ الامامُ الحسن السِّبط (ع) بالصُّلح حقيقة الطَّاغوت فأَلقى الحُجَّة الكاملةَ والواضحةَ على الأُمَّة ولذلكَ فعندما حانَ وقت دفع فواتير السُّكوت والخُضوع لم يكن لأَحدٍ منهُم حُجَّةً على الله تعالى! وهذه واحدةٌ من أَعظمِ ما شاءَ الله تعالى تحقيقهُ من بعثةِ الرُّسل والأَنبياء.
والحجَّةُ على النَّاسِ هي رمزُ العَدالةِ الإِلهيَّة، يَقُولُ تعالى {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
فالحجَّةُ أَوَّلاً ثمَّ دفعِ الثَّمن! ثمن فواتير الخضُوع للطَّاغوت والإِستسلام للإِنحراف والقَبول بالخطأ! يَقُولُ تعالى {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
٣/ صحيحٌ أَنَّ الإِمام الحسن السِّبط (ع) خسِرَ السُّلطة لكنَّهُ ربِحَ الكلمة!.
السُّلطة يمكنُ أَن تعودَ إِذا راحت أَمَّا الكلمةُ فإِذا خسِرها المرءُ فلا يمكنهُ أَبداً أَن يسترجعَها!.
والمقصودُ بالكلمةِ؛ هو ما يخلدِّه المَوقف في التَّاريخ!.
أُنظرُوا الآن وبعد مرورِ [١٤] قرناً على قصَّة الصُّلح! كيفَ يَذكرُ التَّاريخ الإِمام الحسن السِّبط المُجتبى (ع) وكيفَ يذكر الطَّاغية مُعاوية الذي ربِحَ السُّلطة وخسِرَ الكلمة حتى باتَ على مرِّ التَّاريخ مصداقاً بارزاً لقولِ الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.
لقد أَراد الطَّاغية أَن يكتُمَ الحقَّ ويطمِسَ ذكر السِّبط (ع) ويُغيِّب الموقف الرِّسالي الخالد للإِمام (ع) والهدف السَّامي الذي حقَّقهُ إِلَّا أَنَّهُ فشل في كلِّ ذَلِكَ ودفعَ ثمن مكائدهِ أَنَّهُ من أُولَٰئِكَ الذين {يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}.
لقد علَّمنا الحَسن السّبط المُجتبى (ع) أَن لا ننظُر فقط إِلى النَّتائج الآنيَّة للمواقفِ وإِنَّما نرمي ببصرِنا إِلى أَقصى الزَّمن! فقد تخدعنا النَّتائج الآنيَّة، أَمّا النَّتائج بعيدة المدى فلا يمكنُ أَن تخدعنا أَبداً.
٣٠ مايس [أَيَّار] ٢٠١٨
لِلتَّواصُل؛
E-mail: nazarhaidar1@hotmail. com
قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat