صفحة الكاتب : سحر طالب يونس

تجريبي: الطائرُ الفرارُ في شباكِ إبليس
سحر طالب يونس

المقالات لا تُعبر عن وجهة نظر الموقع، وإنما تعبر عن رأي الكاتب.

 خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ، وزوّده بخمسةِ قوى عظيمةً يستطيعُ بها أن يفهمَ كثيرًا من حقائقِ الأشياءِ الماديّةِ منها والمعنويّةِ المجرّدة، وهي: (الحسُّ المشتركُ، والثانية القوةُ المتخيلةُ، والثالثة: الواهمةُ، والرابعة: المفكرةُ، والخامسة: الحافظةُ) (1)، والمتخيّلةُ أو الخيالُ الذي يتّسمُ بعدمِ استقرارِه في مكانٍ معيّنٍ ، فشبّه السيّد الخميني (قدس سره) بالطائرِ الفرارِ، وهوَ أشدُّ خطرًا وفتكًا بالإنسانِ إذا تركَ على رسلهِ ولم يربط ويوجّه نحوَ الأمورِ الساميةِ والأهدافِ النبيلةِ، أخذَ بالفرارِ من غصنِ إلى آخرٍ دونَ أن يأبَه بشرفِ الغصنِ وفسادهِ، ممّا يوقعُه في شباكِ إبليسِ اللّعين.

عدّ الخيالُ والواهمةُ والمتخيّلةُ ثلاثُ قوًى متباينةً، فالخيالُ بدورهِ يدركُ صورَ الأشياءِ المحسوسةِ، والواهمةِ تدركُ المعاني الجزئيةِ غيرَ المحسوسةِ، أمّا المتخيّلةُ تركبُ الصورَ الحسيّةِ التي يدركُها الخيالُ معَ الصورِ المعنويّةِ الجزئية التي يدركُها الوهمُ، والمزيجُ الناتجُ من اندماجِ الصورتين الحسيّة والمعنويّة، أمّا أن يرتقي بالإنسانِ نحوَ الكمالِ والصلاحِ، أو يكونُ لقمةٌ سائغةٌ تقعُ في شباكِ الشّيطان وفيهِ يصبحُ الإنسانُ ألعوبةً في يدِ اللّعين عن طريقِ فرضِ إرادتهِ عليهِ وتوجيههِ حيثما يريدُ، مسببًا لهُ تقصيرًا في الواجباتِ وانغماسًا في المحرّماتِ، حتى أنَّ  الصلاةَ التي تعدُّ عمودُ الدّينِ إن قُبلت قبلَ ما سِواها وأن ردّت ردَّ ما سِواها، وهي ساحةٌ للحطِّ عن كاهلِنا همومَ وإعباء الحياة والعروجِ إلى اللهِ تعالى، بتوّجهٍ وخشوعٍ من أوّلِ النّيةِ إلى التّسليمِ، ولكن ما إن نوينا وكبّرنا تكبيرةُ الإحرامِ ذهبَ عنّا الخيالُ إلى عالمٍ آخرٍ غيرَ الصلاةِ، عالَمُ العملِ أو المدرسةِ أو الجامعةِ، عالَمُ نزجُّ فيه مشاكلنا ونناقشُ فيهِ مجريات الحياةِ ونضعُ فيهِ الخطط، ولا يعودُ إلينا إلا ونحنُ في الركوعِ أو السجودِ أو التّسليمِ، وتنتهي الصلاةُ ولم نحرز منها إلا النزرِ اليسيرِ جدًا، معَ أنّ الصلاةَ وإن صحّت إلا أنّ شرطَ قبولِها عندَ اللهِ تعالى هوَ الإقبالُ من أوّلِ جزءٍ إلى آخرهِ، فقد وردَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: ((إذا أحرمَت في الصلاةِ فأقبلَ عليها، فإنّكَ إذا أقبلَت أقبلَ اللهُ عليكَ، وإذا أعرضتَ أعرضَ اللهُ عنكَ، فربّما لم يرفع مِن الصلاةِ إلا الثلث أو الربع أو السدس، على قدرِ إقبالِ المصلي على صلاتهِ، ولا يعطي اللهُ الغافلَ شيئًا " (2)

وهكذا بقيت العباداتُ من قراءةِ القرآنِ الكريمِ أو الأدعيةِ فعندما نفتحُ الكتابُ الكريم ونبدأَ بالقراءةِ سرعان ما يغادرُنا الخيال محلقًا في فضاءِ واسعٍ غيرَ قراءةِ القرآنِ ،فتصبحُ القراءةُ مجرّدَ لقلقةِ لسانٍ من دونِ أن نعيَ ما نقولُ معَ أنّ القراءةَ يتطلّبُ فيها التأملُ والتدبرُ في الكلماتِ ومعانيها والتفاعلُ معَ المواضيعِ التي تحتويها الآياتُ الشريفةُ.

بيدَ أنّ الخيالاتَ التي تداهمُ أعمالُ الإنسانِ العباديّة والدنيوية، وتقتطعُ جزءًا كبيرًا من عمرهِ ماهي إلا ((فائتٌ لا تداركُ له، أو في  مستقبلٍ لا بدَّ وأن يحصلَ منه ما هوَ مقدرٌ، وكيفَ كانَ هوَ تضييعُ لوقتهِ، إذ آلة العبدِ قلبهِ وبضاعتهِ عمره)) (3) فهي خيالاتٌ لاتسمنُ ولا تغني من جوعٍ تعصفُ بنا ذاتَ اليمنِ وذاتَ الشمالِ، ناهيكَ عن الأمراضِ والمشاكلِ التي يخلّفُها الخيالُ إذا تركَ من دونِ السيطرةِ عليهِ؛  لذا قيلَ راقب أفكارَك لأنّها ستصبحُ سلوكًا وراقب سلوكَك لأنَّها ستصبحُ عادةً، والعادة من الصعبِ التخلّصِ منها.
وهُنا نذكرُ بعضَ الطرقِ التي أعدّها العلماءُ لترويضِ هذا الطائرُ وتخليصهِ من شباكِ إبليسِ، تتلخصُ بالآتي:
أولاً: عقدُ النيّةِ بترويضِ هذا الطائرُ والأخذُ بزمامهِ وجعلهِ روحانيًّا يتّجهُ نحوَ مواطنِ الخيرِ.
ثانيًا: الاستعانةُ باللهِ تعالى( سبحانَه وتعالى).
ثالثًا: المداومةُ على الاستغفارِ معَ ذكرِ الصلواتِ على النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرًا.
رابعًا: قراءةُ الذّكرِ (لاحولَ ولا قوّةَ إلا باللهِ العليّ العظيمِ حسبُنا الله ونعمَ الوكيلِ).
خامسًا: معالجةُ الملكاتِ السيّئة من الحقدِ، والبغضِ ،والغضبِ، والعجبِ والرّياءِ.
سادسًا: الابتعادُ عن الأشخاصِ والأماكنِ والأشياء ِالتي تثيرُ الخيالُ معَ غضِّ البصرِ عن المحرّماتِ، وبذلكَ بعدمِ متابعة القنواتِ والمواقعِ والصفحاتِ التي تروّجُ الفسادُ والأباطيلُ، وعدم خوضِ الكلامِ معَ الجنسِ الآخرِ.
سابعًا: التقليلُ من النومِ خصوصًا بينَ الطلوعين وعندَ الزّوالِ ومغيبِ الشمسِ.
ثامنًا: الابتعادُ عن مجالسِ اللّهو.
وبطبيعةِ الحالِ أنَّ دوامةَ الخيالِ يبتلى بها الجميعُ إلا أنّ العاقلَ من مسكِ بزمامِ هذا الطائرُ وأرشدُه نحوَ الأمورِ المحللّةِ والمباحةِ؛ لما فيهِ صلاح دنياه وآخرتهِ، نعم من المؤكّدِ بادئ الأمرِ يواجِه صعوبةً في الإمساكِ به لكنّه بالمرانِ وعدمِ الاعتناء بما يلقي إليهِ الشيطان من وساوسٍ معَ مراقبةِ النّفسِ وإشغالها بما هوَ نافعٌ، هيمنَ عليهِ شيئًا فشيئًا.
وندعوا اللهَ سبحانَه وتعالى بما دعا به إمامُنا زين العابدين (عليه السلام) (اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَكَيْدِهِ وَمَكَائِدِهِ، وَمِنَ الثِّقَةِ بِأَمَانِيِّهِ وَمَوَاعِيدِهِ وَغُرُورِهِ وَمَصَائِدِهِ، وَأَنْ يُطْمِعَ نَفْسَهُ فِي إضْلاَلِنَا عَنْ طَاعَتِكَ وَامْتِهَانِنَا بِمَعْصِيَتِكَ، أَوْ أَنْ يَحْسُنَ عِنْدَنَا مَا حَسَّنَ لَنَا، أَوْ أَنْ يَثْقُلَ عَلَيْنَا مَا كَرَّهَ إلَيْنَا) (4).


(1). الخصائص الفاطمية،  محمد باقر الكجوري، ٢٤٣/٢
(2). مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج 3، ص57.
(3). جامع السعادات، محمد مهدي النراقي، ص112.
(4) الصحيفة السجادية، الامام زين العابدين (عليه السلام)، ٩١.


قناتنا على التلغرام : https://t.me/kitabat


سحر طالب يونس
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2025/02/28


  أحدث مشاركات الكاتب :



كتابة تعليق لموضوع : تجريبي: الطائرُ الفرارُ في شباكِ إبليس
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :





الكتّاب :

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على info@kitabat.info

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net