كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الصبر الزينبي : وفاءٌ يُسْقى بالدّمِ

 منْ ذا رأى رجلاً عهدَفي الوفاء؟

لاشيءَ يُشبه كربلاء..
وفيهاالوفّاء السّقاء..
منْ ذا رأى في الحربِ عطشاناًيٌريدُ
الماءَ للعطشى ،وليس لنفسهِ؟
اليومَ أصبحَ الوفاءُ منشوراً وغداًيصيرُ وعداً وبعده يصيرُ نسياناً...
أمّا الوفاءُ عندَ العباس (عليه السلام)
أنْ تموتَ عطشاناً والقربةفي يدّك
الوفاءُ أغلى من العطشى، الوفاءُ سيفٌ وماءٌ وليس كلاماً عند العباس (عليه السلام )وفاءهُ نهرٌ لاينضب...
فحين ماتَ الوفاءُ ..قامَ العباسُ (عليه السلام) ليُيحيه.
فهو أولُ شخصٍ كسرَ قانونَ( الممنوع )حتى يسقي،
جادَبنفسهِ قبلَ الماءِ ،فسقى وفاءهُ بالدم،
فكان مقامُ الحسينِ( عليه السلام) عندَ العباس (عليه السلام ) هو مقامُ الإمامةِوالولايةِ فلم يكنْ يُناديه أخي قطّ،بل بسيدي ومولاي حتى أخر نفسٍ بين يدي أخيه الحسين( عليه السلام) فناداه عندما سقط (أخي حسين أدْركني)
فكان العباسُ(عليه السلام)  هو المصداقُ الأكبرُ لتفسيرِ قوله تعالى :قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَك بأخِيك ونجعلُ لكما سُلطانا{القصص:35}
سيسقطُ العضيدُ ،وينحني الظهرُ معه،
فعندما هوى القمرُمُضرجاًبدمائهِ وقُطِعت يداه وأُصيبَ بسهمٍ في عينهِ فنادى الحسين (عليه السلام )أخي حسين أدركني فجاءهُ الحسين( عليه السلام) وقال الآنَ إنكسرَ ظهري ،وقلّت حيلتي، وشمُتَ بي عدوّي
بعدها رجعَ الحسين (عليه السلام )إلى المخيمِ مُنكسراً حزيناً باكِياً يُكفكفُ دموعه بكُمّه{مقتل المقرم نقلاًعن منتخب الطريحي}،
ومن خفايا يوم عاشوراءَ أنَّ الحُسين( عليه السلام) لم يرسلْ العباسَ للقتالِ
ولم يأذنْ لهُ بأنْ يُحاربَ بل حين ضاقَ صدرُ أبي الفضل(عليه السلام) أرسلهُ لطلبِ الماء فقط،
كانَ في عمقِ رُوحِ الحسين خوفٌ
عظيمٌ من فراقِ أخيه ،خوفٌ لا نفهمه نحنُ
لانفهم أيَّ مقامٍ وصل إليه العباس( عليه السلام)
حتى كسرَ بفراقهِ ظهرَ إمام زمانه؟وكان هذا الكسرُ أشدَّ وطأةً من طعنِ السّيوفِ والرّماحِ ،كسرُ فقدانِ الكفيل الذي أوهنَ ظهرالحسينِ (عليه السلام)فارتفعَ برايةِ الشّهادةِ فوقَ كلِّ إنكسار،
فهو راعيّ العلمِ الذي  وقعَ فانكسرَ به ظهرُ الدِّين.
كان هدفُ العباس( عليه السلام) ودافعهُ وشعارهُ أمراًواحداًعبر عنه بقوله واللهِ إنْ قطعتم يميني.. إني أُحامي أبداًعن ديني..وعن إمامٍ صادقِ اليقينِ..نجلُ النبيِّ الطاهر الأمين.
فمن أجل ذلك قاتل ومن أجله أُستشهد..
فكان أكثرُ مصادرِ القوةِ للإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الطف فقد كان صاحب لواء الحسين، واللواءُ هو العلمُ الأكبرُ ولايحمله  إلاالشجاع الشريف في المُعسكر..
فكان يحملُ يومَ عاشوراء سيف الحقِّ بيده ،
وماءالحياة بيدٍّ أخرى،فقطعوا يديه فتحولتْ إلى ملايين الأيدي تحملُ الماءَ إلى العطاشى كلَّ عامٍ وتدافعُ عن المظلومين والمضطهدين في كلَّ مكان هذا ماتعلمناهُ من مدرسةِ الغيرة والوفاء للعباس (عليه السلام).
قاتلَ العباسُ (عليه السلام) اربعَ ساعاتٍ بدون كلمةٍ واحدةٍ فصارَ الصمتُ سيفاً ،جادَ بالماءِ وهو عطشانٌ ووفى بالدمِ وهو ينزفُ ،
قطعوا كفيه؛ لانه أجاد بالماء للعطاشى وقطعوا رأسه ؛لانّه وفى...
لُقِب بعدةِ ألقابٍ منها (حاملُ اللواء )فهو رمزٌ للثبات ،وماسقطت رايته إلا عندما سقط، و (ساقي العطاشى) فهو رمزٌ للرحمةوالغيرة ،لأنهُ اقتحمَ صفوفَ العدّو مراراً وتكراراًلكسرِالحصار وجلبِ الماءِ لعطاشى اهل البيت( عليهم السلام) فنالَ لقبُ السّقاء،(ونافذُ البصيرة) فهو رمزٌ للوعيِّ يعرفُ الحقَّ ويقاتلُ من أجلهِ حتى لو كلفهُ دمه.
ولمواقفهٍ البطوليةِ وشجاعتهِ ووفاءه أثنى عليه أكثرُ من إمامٍ معصومٍ(صلوات ربي عليهم أجمعين)
يوم التاسعِ من محرم عندما قَدِم الجيشُ  الأموي نحوَ المُخيمِ وطلبَ الإمامُ العباس( عليه السلام) انْ يخرجَ لهم قال له الحسين (عليه السلام )اركبْ بنفسِي أنت يا أخِي فماكانت هذه العبارةُالا مصداقاً للمنزلةِ الرفيعةِ للعباس (عليه السلام) عندَأخيهِ الحسين (عليه السلام )
وقدْأشادَ أيضاًالإمام زين العابدين (عليه السلام) بمواقفِ عمه العباس (عليه السلام)مُبيناً أنّه أفدى أخاه الحسين (عليه السلام) بنفسه حتى قُطعتْ يداه قال: «رَحِم الله العباس! فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسهِ حتى قُطعتْ يداه، فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطيربهما مع الملائكةِ في الجنةِ كما جعلَ لجعفر بن أبي طالب، وإنَّ للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلةٌ يغبطهُ عليها جميع الشّهداء يومَ القيامةِ»{بحار الأنوار للمجلسي/ج22ص274}
وكمافي قولِ الإمام الصادق (عليه السلام) عن العباس بن علي (عليه السلام)قال:
كان عمُنا العباس بن علي نافذَ البصيرةِ، صلب الإيمان، جاهدَ مع أخيه الحسين وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً.{كتاب تنقيح المقال في علم الرجال- للمامقاني مجلد/2ص128 }
وأيضا ماورد عن التّسليمِ على العباسِ (عليه السلام) الوارد عن الإمامِ المهديّ( عجل الله فرجه الشريف  )في زيارة الناحية المقدسة:
السَّلامُ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْمُوَاسِي أَخَاهُ بِنَفْسِهِ، الْآخِذِ لِغَدِهِ مِنْ أَمْسِهِ، الْفَادِي لَهُ، الْوَاقِي، السَّاعِي إِلَيْهِ بِمَائِهِ، الْمَقْطُوعَةِ يَدَاهُ.{المصدر /بحار الانوار للعلامة المجلسي/ج45ص66}
فهذهِ أقوالُ المعصومين (صلوات ربي عليهم أجمعين) للعباس (عليه السلام) لقاء ماقدمهُ من وفاءٍ لأخيهِ الحسين( عليه السلام )ولأهلِ بيته الأطهار ، فهي توثيقٌ سماويٌّ له.
قضى عطشاناً ولكن ضربَ بعصاه في قلبِ الخلودِ والأبديةِ ،فانفجرتْ لأجلهِ كلُّ عينٍ،
قاتلَ بشجاعةٍ حتى تقطعتْ أوصالُهُ قبل أنْ تنقطعَ أنفاسَهُ،
فأعطى الله يديه، ثُمَّ عينيه، ثُمَّ هامته،
وبتلكَ الشّهادةِ تحولَ من شخصٍ إلى شاخصٍ،
ومن مُؤمنٍ إلى رمزٍ للإيمانِ،
ومن بطلٍ إلى رمزٍ للبطولات ، فآثرَ أخاه بنفسه.
فالسلامُ على من رمى الماءَ بالماءِوقال:
يانفسُ من بعدِ الحُسين هوني
سيدي ياأبا الفضل اليوم لايوجدُ فُرات، بل يوجدُ عطاشى للكرامة...
اليومَ لاتوجدُ سيوفٌ ،بل توجدُ
خناجرٌ للغدر...
علمنا سيدي كيفَ نكونُ أوفياءَ حتى لو كانَ الثمنُ ...الدّمَ؟
علمنا سيدي كيفَ نكونُ سقايينَ للوفاءِ والغيرةِ حتى لو قطعوا أيدينا؟
وإذا كانَ الحسينُ (عليه السلام) القضيةَ ،فالعباسُ (عليه السلام)هو الساعدُ الذي حملَ القضيةَ،
لمّاسقط العباسُ(عليه السلام)نادى الحسين( عليه السلام)الآن إنكسرَظهري...
وأنتَ أيُّهاالموالي من ظهرك اليوم ,وأينَ الوفاءُ العباسي منك؟
قطعوا كفيه ،لكن ماقطعوا نيّته(القربة)،هي أمانةُ العباس (عليه السلام)،وأنتَ ماهي القربةُ التي تحملُها اليومَ؟أهي أمانةٌْ،مسؤولية، ولد،مساعدة المحتاجين؟ حددْ الهدفَ من اليوم وصنْ وفاءَ العباس (عليه السلام).
وختاماً كان للعباس (عليه السلام)وفاءٌآخر لم يُكتبْ بعد ...وفاءٌ لراية لم ترفعْ في المعركةِ، بل رُفِعتْ في الخيامِ.

✦ كتابات في الميزان ✦

تستعرض الكاتبة شخصية أبي الفضل العباس (عليه السلام) بوصفها النموذج الأسمى للوفاء والإيثار والبصيرة، مستلهمةً مواقفه الخالدة في نصرة الإمام الحسين (عليه السلام) وثباته حتى الشهادة. كما تربط بين القيم العباسية والواقع المعاصر، مؤكدة أن الوفاء ليس ذكرى تاريخية، بل مسؤولية عملية تتجسد في حفظ الأمانة، ونصرة الحق، وخدمة الآخرين مهما بلغت التضحيات.

العباس.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!