اعز الاشياء على قلب احمد (بندقية الكلاشنكوف ) التي ورثها عن أبيه وثلاث قصاصات ورقية ، واحمد هذا الذي أكمل دراسته الجامعية بشق الانفس ، بعد أن تعهد أمام صورة أبيه الذي أعدم في الثمانينات لأسباب سياسية أنه سوف يكمل دراسته رغم كل الظروف ، في صندوق حديدي صغير ثمة ثلاث قصصات ورقية متوسطة الحجم تملأها كتابات بقلم جاف ازرق قد تشبعت مادته في الورق حتى تسرب اللون الازرق بين سطورها فأصبحت متمردة على خطوط الأسطر ، يحتفظ أحمد بتلك القصاصات وكأنها تعويذة ولها في قلبه ما يشبه القداسة ، لقد خطها والده قبيل اعتقاله بأيام ، الأولى والثانية دون فيها ما يشبه المذكرات بصورة مقتضبة جداً والثالثة يوصي أحمد بإكمال دراسته ، أحمد صاحب العقل المتقد ذكاءً والقارئ النهم كان ينظر الى تلك القصاصات وكأنها رواية ( رسائل من البيت الميت) لدوستويفسكي التي كلما قرأها ليتولستوي يبكي بكاءً مراً ويقول ( لولا وجود كتاب مقدس لقلت ان هذا هو الكتاب المقدس).
اما البندقية فكانت هي الآخرى تمثل لأحمد رمزاً لشجاعة وإقدام والده ، تلك الشجاعة التي يحاول ان يستمد منها ليكون امتداد لأبيه كما أوصاه في السطر الأخير من الوصية.
بعد عام 2003 استخرج احمد البندقية التي مكثت حبيسة تحت تربة حديقة البيت سنوات طويلة ووجد لها مكاناً في جبهة الجدار بالقرب من صورة أبيه ، كان ينظر لها بإعتزاز ظاهر وكأنها سيف لأحد أبطال المماليك وهو يدافع عن القاهرة بوجه الغزاة الفرنسيين، ولحاجة أحمد كأي انسان للمال بعد تخرجه من الجامعة بدأ يبحث عن وظيفة مدنية يمني نفسه أن يوظف فيها كل ما يمتلكه من ثقافة وإدراك ووعي الا ان الحظ لم يحالفه في هذه.
في احد الأيام وهو يتصفح بمواقع التواصل الاجتماعي وقعت عيناه على منشور في الصفحة الرسمية لوزارة الدفاع تطلب فيه وجبة جديدة من الجنود ، وبعد سلسة عمليات بسيطة في معالجة البيانات اكمل احمد التقديم على أمل قبوله في صفوف الجيش وقد تحقق له ما أراد .
بعد التحاقه بالجيش لم يترك أحمد هوايته المفضلة بقراءة الكتب والتزود بالمعارف المتنوعة، وفي كل المعارك التي خاضها منتسبو اللواء الذي ينتمي له وبعد انتهاء تلك المعارك كان يقارب بين ما قرأه عن المعارك التاريخية والمعارك التي إشترك بها للتو ، عشرات المصطلحات والاسماء تدور في ذهنه ، المنتصر ، الخاسر ، قتيل ، جريح ، غنيمة ، فخر ، هزيمة ، إبادة ، مصطلحات كان يقرأها واليوم يعيشها ، كان يقول في نفسه ماذا حصد جنكيز خان من حملات الإبادة ، ماذا لو حصل هتلر على وظيفة مدنية في ضواحي برلين وأراح واستراح ؟! ما السمعة الخالدة التي يمكن أن يحصل عليها ستالين بتمديد احكام المسجنونين في سبيريا ....الخ كل هذه الاسئلة يقدحها في ذهنه ويبحث عن إجابة علها تبرر افعال الجلاديين وتهدأ من روع تلك الارواح التي ازهقت عبر الدهور ، في هذه اللحظة التي كان يتنقل بها أحمد عبر العصور وقارات العالم ومحيطاته وبحاره جاءته الإجابة بصورة اطلاقة نارية عيار 7.62×54ملم من سلاح قنص ( دراغونوف) مخترقة الجهة اليسرى من صدره ولتخترق معها القصاصات الورقية الثلاث التي احتفظ بها في جيبه وتمضي معه كل كتل الادراك تلك والى الأبد وبجنبه بندقية الكلاشنكوف التي ما أنفكت ترافقه طوال تلك السنوات.
✦ كتابات في الميزان ✦
تنسج القصة مصير أحمد بين ثلاث وصايا ورثها عن أبيه وبندقية تحوّلت من رمز للشجاعة إلى رفيقة في الرحيل. وبين شغفه بالكتب واضطراره إلى ارتداء الزي العسكري، يواجه أسئلة التاريخ الكبرى عن الحرب والقتل والمجد الزائف. وتأتي النهاية صادمةً حين تخترق الرصاصة جسده والقصاصات معًا، وكأن التاريخ لا يكتفي بسلب الإنسان حياته، بل يمحو أحلامه وذاكرته أيضًا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!