في صباح بلجيكي يوم صيف جميل أستيقظ محيميد (الذي هاجر واغترب قبل عشرات السنوات من بلده الى بلجيكا بعد رحلة عناء طويلة خاض خلالها غمار البحار وقطع الوديان والغابات الكثيفة والاجواء الماطرة والجليدية بحثا" عن الامان والراحة والطمأنية والعيش الكريم حتى استقر فيها وعاش كمواطن صالح بلجيكي). فتح محيميد هاتفه الجوال فاذا برسالة تنتظره قرأها مرة وثم اعاد قراءتها مرة اخرى بعدها قال مستغربا" (معقولة). كان مضمون الرسالة بسيطا" الى درجة جعلته يشك في ان وراءها مؤامرة كونية عليه (السيد محيميد لقد بلغت سن التقاعد نرجو تزويدنا برقم حسابك المصرفي لنتمكن من تحويل راتبك التقاعدي شهريا" اليه)..جلس محيميد على الكرسي ليلتقط انفاسه بعد ان انتهى من قراءة الرسالة واخذ يفكر وقال محتجا" وبحزن (اين اللجنة؟ اين المعاملة؟ اين تأييد الاستمرارية بالخدمة؟ واين كتاب الممانعة ، بل اين كتاب صحة الصدور واين ختم المدير وتوقيعه ونسخة البطاقة الوطنية وبطاقة السكن ؟واين واين......واين صاحبي حسن على وزن احدى قصائد شاعرنا الكبير احمد مطر) أعاد محيميد الاتصال على رقم الهاتف مصدر الرسالة ردت عليه موظفة بصوت طربي حنون اكيد بلجيكية وقال لها بحذر (انا متقاعد جديد وقد وصلت رسالة لي بذلك ما المطلوب مني من مستمسكات وكتب رسمية ) قالت له (مبروك سيدي) أرتبك محيميد المسكين واهتزت فرائضه من كلمة مبروك وقال (كيف استلم راتبي الشهري من دون معاملة التقاعد) اجابته بود (كل شي اكتمل يا سيدي ارسل لنا رقم حسابك المصرفي وسنحول الراتب اليه شهريا"). انفرجت اسارير اخينا محيميد وخرج الى الشارع وبعد ان كان يشعر ان هناك شيئا" غير طبيعي يحدث، الى ان بدأت المفاجأت تتوالى اكتشف ان هناك تخفيضا" على ايجار سكنه، ومساعدة شهرية للايجار، وامكانية التقديم على السكن الاجتماعي وتخفيضا" في فواتير الكهرباء وتخفيض اخر في وسائل النقل العام ، وتغطية وتأمين صحي واسع ومساعدات للرعاية الصحية، واكتشف اخيرا" ان راتبه باقي صامد حيث سيبقى نفس اخر راتب استلمه في الوظيفة (مع زيادته بنسبة معينةعند حدوث تضخم في اسعار السوق المحلية) ما دام حي يتنفس الهواء البلجيكي، كل ذلك وبلجيكا ليس لها موارد وثروات نفطية او غازية هائلة، ولا يوجد في اراضيها مدفون معادن من كل نوع يقوم بتصديرها الى الخارج، على النقيض من ذلك ماذا لو بقي محيميد في العراق واحيل على التقاعد الاجباري (البلد الذي حباه الله تعالى بثروات طائلة من الموارد الطبيعية ومن الحقول النفطية والمعادن ) والتي لم تستطع ان تبني نظاما" يرى الانسان الذي افنى عمره في العمل الحكومي يستحق ان يعيش شيخوخته بكرامة، اكيد محيميد في العراق سيعامل باعتباره رقما" انتهت صلاحيته الوظيفية، لقد ادرك محيميد والكثير من المتقاعدين العراقيين ان مشكلة التقاعد العراقي تكمن في طريقة ادارة الموارد، لانه في بلجيكا التقاعد ليس نهاية حياة بل ان التقاعد بداية مرحلة جديدة لان الدولة هناك تقول لك (انت اديت واجبك والان جاء دورنا في خدمتك). ان احوال المتقاعد العراقي البسيط صعبة والدولة بمؤسساتها تعتبره مجرد رقم انتخابي وملف في دارة التقاعد، حيث ان التقاعد في بلدنا اصبح معركة والراتب منة والمعاملة رحلة استكشافية والمواطن مطالب بأثبات انه يستحق ما هو حق له اصلا"، والاخطر من ذلك ان الفساد اذا طال عمره لا يبقى مجرد سرقة انه بدأ يغيير المفاهيم الاجتماعية والانسانية والعلاقات ما بين افراد المجتمع انفسهم.
ابتسم محيميد البلجيكي بعد ان تذكر ذلك وقال (المشكلة ليس فقط ان هناك من يسرق المشكلة ان السرقة من تطول تبدأ بالبحث عن قانون يحميها وخطاب يبررها واخلاق جديدة تجعل الضحية تشعر بالخجل لانها لم تعرف كيف تسرق).
هناك في بلجيكا البلد المتحرر من كل شي والغير اسلامي يقولون الى محيميد بعد تقاعده (نحن هنا لخدمتك) هي عبارة بسيطة لكنها في بعض البلدان تحتاج الى ثورة ادارية كبرى حتى تصبح حقيقة واقعة.
وهكذا عاش محيميد البلجيكي تقاعده بهدوء وراحة بال لا يخاف من اليوم القادم، بينما يبقى محيميد اخر في اماكن اخرى من العالم يطارد راتبه ويطارد معاملته ويطارد حقوقه المسلوبة وربما يطارد اخر شهر من عمره الفاني وهو يسال هل التقاعد يحصل عليه الانسان بعد ان يخدم الدولة ام هو جائزة تمنحها له الدولة لانه بقي صبورا" بما يكفي عليها؟
اما محيميد المواطن البلجيكي فقد حسم المسألة منذ البداية (انا اشتغلت عمري كله، الان جاء دور الدولة حتى تشتغل من اجلي).
✦ كتابات في الميزان ✦
يعالج المقال بأسلوب ساخر وخفيف الفارق بين دولة تنظر إلى المتقاعد بوصفه إنسانًا أدّى واجبه، وأخرى تحوّل حصوله على حقوقه إلى معاملة مرهقة ومعركة يومية. وتنجح شخصية «محيميد» في تقريب المقارنة وإضفاء روح قصصية على موضوع إداري واجتماعي جاد. غير أن النص يحتاج قبل النشر إلى تدقيق المعلومات المتعلقة بمقدار الراتب والامتيازات في بلجيكا؛ لأنها تختلف باختلاف الدخل وسنوات الخدمة والوضع الاجتماعي، مع اختصار بعض التكرار لتعزيز الأثر الساخر.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!