كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الاختيار المهني... متى يكون على أساس الكفاءة؟

 لا يخفى على أحد أن المتميزين في مجالات العمل قلة، في حين تتسع دائرة من يمارسون أعمالهم من دون أن يمتلكوا القدرة على تطويرها، أو ابتكار أساليب جديدة تسهم في الارتقاء بأداء المؤسسات التي يتولون مسؤولية إدارتها.

وتتضح ملامح المهنية الحقيقية عند اجتياز الأزمات والتعامل مع المعوقات؛ إذ تظهر قدرة المسؤول على وضع استراتيجيات إدارية متجددة تتكيف مع الظروف والمعطيات التي تواجه المؤسسة، بدلًا من التمسك بالأساليب التقليدية التي قد لا تتناسب مع متطلبات المرحلة.

فنجد، أحيانًا، مديرًا يتولى مسؤولية دائرة أو مؤسسة، لكنه يكتفي بإدارة العمل بالأسلوب المعتاد، من دون إحداث تغيير حقيقي في آليات الأداء، سواء في توزيع الموظفين، أو متابعة مهامهم، أو تحسين انسيابية تقديم الخدمات للمراجعين والمستفيدين.

ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه المؤسسة وإدارتها يتمثل في تنظيم العمل بين الأقسام، ومتابعة أداء الموظفين، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق نتائج تنعكس على جودة المخرجات ومستوى الخدمات المقدمة.

فالمدير الذي لا يستطيع ترسيخ مبادئ الإتقان والانضباط وتطوير الأداء لدى موظفيه سيجد صعوبة في تحقيق النجاح الإداري المنشود؛ لأن الإدارة لا تُقاس بالمنصب، وإنما بما تحققه من إنجازات، وما تتركه من أثر واضح في المؤسسة.

وتتخذ أغلب المؤسسات في العراق طابعًا تقليديًا في إدارة العمل، وما تزال بعض الجهات بعيدة عن مواكبة ما وصلت إليه المؤسسات الحديثة من توظيف للتقنيات الرقمية، وتطوير لأساليب الإدارة، واستفادة من التحول التكنولوجي في تحسين الأداء.

ويرتبط ذلك، بدرجة كبيرة، بمهنية الشخص الذي يتولى المسؤولية؛ فهناك من يستطيع إحداث نقلة نوعية في المؤسسة خلال مدة قصيرة، وهناك من يمضي سنوات طويلة في منصبه من دون أن يترك إنجازًا واضحًا يمكن أن يُحسب له.

ولا تكمن المشكلة دائمًا في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل قد تتمثل في غياب الرؤية، وعدم القدرة على استثمار الطاقات المتاحة، أو الخوف من اتخاذ القرار، أو التردد في تغيير أساليب العمل غير الفعالة.

فالقيادة الإدارية الناجحة لا تنتظر الظروف المثالية، وإنما تعمل على استثمار الإمكانات المتاحة، وتشخيص مواطن الخلل، ووضع حلول قابلة للتنفيذ، وتحويل الأزمات إلى فرص لإعادة تنظيم المؤسسة وتطويرها.

كما أن المدير المهني لا ينفرد بالقرار، ولا ينظر إلى الموظفين بوصفهم أدوات لتنفيذ أوامره، بل يعمل على بناء فريق متكامل، ويستمع إلى الآراء والمقترحات، ويوزع المسؤوليات وفق الخبرة والكفاءة، ويمنح المبدعين فرصة للمشاركة والتطوير.

إن مؤسساتنا بحاجة إلى إعادة النظر في آليات اختيار القيادات الإدارية، ووضع معايير واضحة تقوم على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التطوير، فضلًا عن ترسيخ ثقافة المهنية وإتقان العمل لدى الموظفين.

كما ينبغي ألا يخضع اختيار المديرين للمحسوبية أو العلاقات الشخصية أو الانتماءات الضيقة؛ لأن وضع شخص غير مؤهل في موقع المسؤولية لا يضر به وحده، بل ينعكس على المؤسسة وموظفيها والمواطنين المستفيدين من خدماتها.

ومن الضروري أن يخضع المسؤول الإداري لتقييم دوري يستند إلى مؤشرات واضحة، من بينها مستوى الإنجاز، وتحسين الخدمات، وسرعة معالجة المشكلات، وتطوير الموظفين، والاستفادة من التقنيات الحديثة، ومدى رضا المواطنين عن أداء المؤسسة.

فإذا لم يكن اختيار الأشخاص قائمًا على الكفاءة والمهنية، فكيف يمكن أن نصنع إدارة ناجحة؟ وكيف تستطيع مؤسساتنا أن تتطور وتواكب متطلبات العصر؟

إن المنصب الإداري ليس امتيازًا بقدر ما هو مسؤولية، والنجاح فيه لا يتحقق بطول البقاء على الكرسي، وإنما بما يقدمه صاحبه من تطوير وإنجاز وأثر ملموس.

فالمدير الحقيقي لا يُعرَف بعدد السنوات التي أمضاها في منصبه، بل بحال المؤسسة قبل توليه المسؤولية، وبما أصبحت عليه بعد مغادرته.

✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال الكفاءة في مواجهة ثقافة الاختيار القائم على المنصب والعلاقات، مؤكدًا أن المدير الحقيقي يُختبر في الأزمات وقدرته على صناعة التغيير. فالإدارة ليست تسييرًا روتينيًا للعمل، بل رؤيةٌ وتنظيمٌ واستثمارٌ للطاقات وقياسٌ للنتائج. وتبدأ نهضة المؤسسات حين يصبح الأثر والإنجاز معيارَي الاختيار والاستمرار، لا طول البقاء على الكرسي.

الكفاءة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!