كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

نصف بطيخة حمراء

 عندما كنا صغارًا ـ منذ مدة قريبة، لا تضحكوا، فأنا أعتذر، لأن ذلك كان منذ أكثر من نصف قرن ـ كان مَن يريد أن يشتري الجبس أو البطيخ «الأحمر والأصفر» ينادي البائع ويقول: «أريد حِملًا كاملًا»، أي كل الجبس الموجود على طرفي الحمار. ونفس الشيء بالنسبة إلى الخس.

كانت تلك الأيام، مع طفولتنا، تمثل العصر الذهبي لنا، فلا همَّ لنا ولا هم يحزنون.

مَن مِن جيلي لم يتدحرج مع البطيخ الأحمر تحت السرير المرتفع، أو تحت «الكنبة» أو «الديوانة»، حيث كنا نضع البطيخ، بحجة أنه يريد ترتيبها؟ ومن منا لم يتناول «خسّة» كاملة، يقطر منها الماء بعد غسلها، ويضع عليها الملح؟

هذه الذكريات لا أسترجعها فقط للحنين، بل لأتحدث عن عدد أفراد العائلة الواحدة.

عندما كبرت قليلًا، سمعت أنهم في أوروبا يشترون البطيخ بنصف أو ربع بطيخة، والخس بالواحدة. ابتسمت باستغراب، واعتقدت أن ذلك من البخل.

ثم كبرت، وأصبحت لي عائلة، وانتقلت طبعًا من شراء كمية كبيرة من البطيخ الأحمر إلى شراء بطيخة واحدة، ومن شراء «حِمل» من الخس إلى شراء عدد قليل منه.

وكبر الأولاد، وبدأ التسرّب من البيت. كان السفر في البداية للدراسة أو للعمل، ثم أضيف إلى العائلة السورية نوع آخر من الرحيل: الهجرة هربًا من الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار لدى جميع الأطراف.

وهكذا، شيئًا فشيئًا، فرغ البيت، وبقيت أنا وزوجتي فقط.

أصبحت البطيخة الواحدة كثيرة علينا، كما أصبح «حِمل» الخس شيئًا من الماضي. وحتى الجيران الذين غادر أولادهم، وبقوا مثلنا، وجدوا أنفسهم أمام المشكلة نفسها.

فبدأنا نشتري بطيخة ونقسمها بيننا: نصف لنا ونصف لهم.

لكنني بدأت أرى في نصف البطيخة أكثر من مجرد طعام.

رأيت فيها عائلة انقسمت بين البلدان، وأولادًا أصبحوا بعيدين، وبيوتًا كانت تضج بالأصوات ثم سكتت.

فهمت أخيرًا لماذا كان الأوروبيون يشترون نصف بطيخة.

لم يكن البخل هو السبب دائمًا، بل الوحدة القاتلة ومغادرة الأبناء المنزل.

أما نحن، فقد وصلنا إلى النصف بطريقة أخرى.

لم نشترِ نصف البطيخة لأن عائلتنا صغيرة؛ أصبحت عائلتنا صغيرة لأن نصفها هاجر.

واليوم، عندما أرى نصف بطيخة حمراء في الثلاجة ـ وأحيانًا ربعًا ـ أتذكر البطيخ الذي كان يملأ البيت، والأولاد الذين كانوا يملأون المكان ضجيجًا وضحكًا.

وأتمنى، ولو لمرة واحدة، أن أشتري بطيخة كاملة، لا لأننا بحاجة إليها، بل لأنني أتمنى أن يعود الذين كانوا يأكلونها معنا.

اللهم اشهد بأني قد بلّغت.

✦كتابات في الميزان✦

يبدأ النص من عادة منزلية صغيرة، لكنه ينجح في تحويلها إلى علامة على تحولات الأسرة والمجتمع. فـ«نصف البطيخة» هنا ليست طعامًا، بل صورة لبيت انقسم بين الغربة والانتظار، ولأبوين تعلما تقليل الأشياء بعد أن قلّ عدد الجالسين حول المائدة. وتكمن قوة النص في بساطته؛ إذ يصل إلى قضية الهجرة والوحدة عبر مشهد يومي أقرب إلى القلب من الخطاب المباشر.

بطيخ.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!