دعني أقول لك شيئاً أسرُّك به، لا تخبرنَّ به أحدا، أنا لستُ أفهم في الشعر ولكنّي أتذوَّقه.
وأزعم أنَّ هذا الذوق يبيح لي أنْ أعرف الشاعر المطبوع من الناظم المُتكلّف، وأنزل كلاً منهما منزلته بحسب علمي وذوقي.
ودعني أخبرك أخرى – بمناسبة الكلام في شأن النشيد الوطنيّ العراقيّ – والذي صار قضيَّةً، وما هو بقضية – أنَّ كلَّ من كتبوا الأناشيد الوطنيَّة العراقيَّة التي خلَت ليسوا بعراقيين.
وهل أسرُّك بأمر؟
هل تحفظ؟
أتُراك تكتم؟
لا بُدَّ أن تكون كلمات النشيد الوطنيّ فخمةً ضخمةً، تشع من حروفها ألسنة النَّار، وتقدح من حركاتها شرارة اللَّهب، تملأ النّفس حماسةً، وتترع القلبَ عزيمة، فالكلمة المائعة لا تخلق جحيما، واللّفظ الميّت لا يُولد حياةً.
وأحسبُ – وليس ما أحسبه بمعصوم – أنَّ خير الأناشيد ذلك الذي كتبه شفيق الكماليُّ، فيه قوَّةٌ بيانٍ، كأنَّها جبالٌ من المعاني، وفيه جزالة لفظٍ، كأنَّها جذوعٌ من النخيل، وفيه سرعة إيقاعٍ كأنَّ موسيقاه جري الخيل للقتال.
أتكذّبني؟
إليك دليلي، فإن اقتنعت، فما أحرى أن نتفق، وإن رفضت، فما أجدر أن نفترق!
إليك مطلع القصيد
وطنٌ مدَّ على الأفق جناحا *** وارتدى مجد الحضارات وشاحا
كأنَّ سائلاً يسأل الشاعر: من هو العراق؟
فيُجيبه: وطنٌ، وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره: هو وطنٌ، شبيهٌ بطائرٍ يرتقي عاليَّاً، أعلى من الأفق، وأنَّه مدَّ على الأفق جناحه، فياله من طائرٍ ضخمٍ بحيث يمدُّ جناحه على الأفق كُلِّه.
وهو بعد ذلك مثل ملكٍ يرتدي ثوباً عظيماً، هو مجد الحضارات، وفي العراق عدَّة حضاراتٍ، ولكلِّ حضارةٍ عاصمة، ففيه من العواصم العالميَّة ما ليس لغيره، بابل، والكوفة، وبغداد.
يقول في أبياتٍ:
نحنُ في الناس جمَعنا وحدَنا *** غضبةَ السيف وحلم الأنبياء
أنظر إلى التخصيص في "نحن"، نحن، لا غيرنا جمعنا بين غضبة السيف حين الشدَّة، وحلم الأنبياء حين اللّين، أرأيت مثل هذا التقابل والتضاد؟
أرأيت الاستعارة في "غضبة السيف" فكأنَّ السيف ذو مشاعر، وصاحب أحاسيس فهو يغضب، ويثور، ويرعد ويزبد؟
أرأيت هذه الصورة الحيَّة التي خلعها على ذلك المعدن الميت؟
أرأيت المجاز في تعبيره "حلم الأنبياء"؟
ويقول:
قسماً بالسيف والقول الأبي ***وصهيل الخيل عند الطلب
أنظر، بمن أقسم الشاعر.
بالسيف لسان اليد، والقول سيف اللسان.
ثمَّ بماذا؟ بصهيل الخيل يوم الخروج للنَّجدة.
فإن قلت: لِم لَم يقسم بالخيل وأقسم بصهيلها؟
قلتُ لك: لما في ذلك من حركة النفير، وكأنَّ صهيل الخيل عند الطلب مثل تكبيرة الجنديّ عند القتال.
فأهزجي جذلاٍ بلاد العرب*نحن أشرقنا، فيا شمس أغربي
منتهى الفخر، "نحن" للتخصيص، أشرقنا، فيا أيّتها الشمس أغربي، ولاحظ التضاد بين الشروق والغروب في بيت الشاعر.
بعيداً عن اتجاه صاحب الأبيات، ، فأنا لا أتكلّم عن الشاعر، بل أتحدَّث عن الشاعريَّة، وتركت كثيراً من أبيات النشيد لعدم رغبتي في تحليلها والكتابة عنها، وأريد أن أقول: هكذا ينبغي أن يكون النشيد الوطني.
ولو كنتُ ذا ولايةٍ تكوينيَّة؛ لأجلستُ السيد محمد بن السيد مهدي القزوينيّ (رحمهما الله) في قبره، ورجوته أنْ يُكمل هذين البيتين اللذين كتبهما والعراق تحت نيّر الإنكليز، ليتمّ بهما نشيدٌ وطنيٌّ فخم:
نحنُ بنو العربِ ليوث الوغى **دينُ الهدى فينا قويٌّ عزيزُ
لا بدَّ أن نزحفَ في جحفلٍ *******نبيدَ فيه جحفلَ الإنكليزِ
وما كتبه السيد القزوينيُّ لفظاً ومعنى، أفخم ممَّا كتب الكماليُّ بكثير، فالفرق وسيعٌ، والمشعب بطين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!