في أزقة النجف القديمة، حيث يفوح عبق التاريخ من بين جدرانها، يقع بيت صغير متواضع لا تتناسب مساحته مع حجم التأثير الذي انطلق منه طوال عقود. فمن هذا البيت أطلّ المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني بوصفه مرجعية دينية مؤثرة ومظلة وطنية امتدت مواقفها إلى العراقيين بمختلف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم.
حين تعثرت خطى البلاد ووقفت على حافة الاقتتال الأهلي بعد سقوط النظام السابق، جاءت توجيهات المرجعية مؤكدة حرمة الدم العراقي، وداعية إلى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الفتنة الطائفية. وقد ورد في بيان رسمي لمكتب السيد السيستاني عام 2007 تأكيد «حرمة دم كل مسلم، سنيًا كان أو شيعيًا، وحرمة عرضه وماله»، والتبرؤ ممن يسفك الدم الحرام أيًا كان صاحبه. النص الرسمي للبيان.
وعندما اجتاح تنظيم «داعش» مساحات واسعة من العراق عام 2014، وسقطت مدن كبرى وامتد الخطر إلى محافظات أخرى، جاءت فتوى الدفاع الكفائي لتسهم في تعبئة المواطنين ومساندة القوات الأمنية، وتعيد الأمل إلى ملايين العراقيين في واحدة من أخطر لحظات تاريخ البلاد الحديث.
فتوى الدفاع ومواجهة الخطر
لم تكن دعوة المرجعية موجهة إلى طائفة بعينها، ولم تكن دعوة إلى إنشاء جماعات مسلحة خارج الدولة، بل أكدت أنها موجهة إلى جميع المواطنين، وأن الغاية منها الدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته في مواجهة تنظيم استهدف العراقيين جميعًا.
وأوضح ممثل المرجعية، في خطبة 20 حزيران/يونيو 2014، أن الدعوة كانت للانخراط في القوات الأمنية الرسمية، لا لتشكيل مليشيات خارج إطار القانون، مشددًا على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وهذا التفصيل ضروري لفهم موقف المرجعية بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الطائفي. النص الرسمي لتوضيح موقف المرجعية.
ورغم هذه المواقف المعلنة والموثقة، تظهر بين حين وآخر كتابات ومنابر إعلامية تحاول مهاجمة المرجعية أو التقليل من دورها، مستندة أحيانًا إلى معلومات مبتورة أو قراءات أيديولوجية مسبقة. وهذا التناقض بين الوقائع التاريخية والخطابات المشككة يدفع إلى التساؤل عن دوافع بعض تلك الحملات، وعن الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والتشويه المتعمد.
أقلام تحت الطلب
تكمن المأساة في أن يتحول القلم من وسيلة للبحث عن الحقيقة إلى أداة لتصفية الحسابات وخدمة المصالح. فبعض المنابر لا تناقش المواقف بموضوعية، ولا تقدم وثائق تناقضها، بل تعتمد الإثارة والاجتزاء وتكرار الاتهامات بغية زعزعة ثقة الناس بالمرجعية.
وقد تكون وراء بعض الحملات مصالح سياسية أو إعلامية، لكن لا يصح الجزم بوجود تمويل من سفارات أو أجهزة مخابرات من دون أدلة محددة. فالاتهام غير الموثق يضعف المقال، حتى عندما تكون فكرته الأساسية مشروعة. والأجدى هو تحليل الخطاب نفسه: من المستفيد منه؟ وما الأدلة التي يقدمها؟ وهل يناقش موقفًا محددًا، أم يكتفي بالإساءة إلى الأشخاص والرموز؟
إن المرجعية التي أسهمت في مواجهة الفتنة الطائفية، ودعت إلى الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وساندت الدولة في مواجهة الإرهاب، لا يمكن محو أثرها بضجيج إعلامي عابر. فالوقائع الموثقة أبقى من الحملات المؤقتة، والمواقف التي اختبرها الناس لا تُمحى بسهولة من الذاكرة العامة.
بقايا الاستبداد وغبار الأيديولوجيا
تظهر في بعض الخطابات بقايا العقلية التي نشأت في ظل النظام الشمولي، وهي عقلية لا تعرف الحوار بقدر ما تعرف صناعة الخصوم والولاء المطلق للسلطة. وقد وجد بعض المتأثرين بالفكر البعثي المنحل في المرجعية خصمًا تاريخيًا؛ لأنها حافظت على استقلالها ورفضت الخضوع لسلطة النظام السابق، وبقيت تمثل امتدادًا دينيًا واجتماعيًا لم يتمكن الاستبداد من احتوائه.
لكن لا يجوز، في المقابل، وضع كل منتقد للمرجعية في خانة البعث أو الحنين إلى الدكتاتورية. فالنقد القائم على الوقائع حق مشروع، والمرجعيات والمؤسسات العامة ليست خارج نطاق النقاش الفكري. إنما المشكلة في الخطاب الذي ينطلق من الكراهية، أو يزوّر المواقف، أو يتجاهل السياق التاريخي، ثم يقدم نفسه بوصفه نقدًا موضوعيًا.
إن التمييز بين النقد والتشويه ضروري؛ فالأول يناقش الأفكار والمواقف بالحجة، أما الثاني فيستهدف المكانة المعنوية للشخص أو المؤسسة من خلال الاتهامات والشتائم والمعلومات المبتورة.
شهرة تقوم على الاستفزاز
تتيح منصات التواصل الاجتماعي للمغمور أن يتحول إلى اسم متداول خلال ساعات، لا بفضل فكرة قدمها أو منجز حققه، بل بسبب إساءة أطلقها بحق شخصية دينية أو وطنية كبيرة. وهنا تعمل قاعدة «خالف تُعرف» بأوضح صورها؛ إذ يغدو الاستفزاز طريقًا مختصرًا إلى المشاهدات والتفاعل.
بعض المتصدرين في المنصات لا يمتلك مشروعًا فكريًا متكاملًا، فيلجأ إلى مهاجمة الرموز الجامعة لإثارة الجدل وجذب الجمهور. وليس الهدف دائمًا الوصول إلى الحقيقة، بل المحافظة على الحضور الرقمي، ولو كان الثمن إشاعة الانقسام والإساءة إلى مشاعر قطاعات واسعة من المجتمع.
غير أن ارتفاع عدد المشاهدات لا يمنح الكلام قيمة معرفية، مثلما لا يجعل التطاول صاحبه أكبر من الشخصية التي يهاجمها. فالقيمة تُقاس بصدق المعلومة وقوة الحجة وأخلاق الحوار، لا بمقدار الضجيج الذي تصنعه المنشورات.
اختزال المدنية في معاداة الدين
يتعامل بعض المتحدثين باسم المدنية والعلمانية مع كل رمز ديني بوصفه عائقًا أمام بناء الدولة، مستحضرين قوالب جاهزة من تاريخ الصراع الأوروبي بين الكنيسة والسلطة، ثم يطبقونها على الواقع العراقي من دون مراعاة اختلاف السياقات.
إن الدولة المدنية لا تعني إقصاء الدين أو إلغاء أثر المرجعيات الاجتماعية، بل تعني قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنة، وحصر السلاح بيدها، وضمان الحقوق والحريات. وهذه المبادئ نفسها حضرت في كثير من مواقف المرجعية، ومنها الدعوة إلى الانتخابات، ورفض الحكم الفردي، والتأكيد على سلمية الاحتجاجات، والمطالبة بمكافحة الفساد، وإخضاع السلاح كله لسلطة الدولة.
وقد أكد مكتب السيد السيستاني، في بيان انتخابات عام 2018، أن المرجعية سعت بعد سقوط النظام السابق إلى إقامة نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة، وحذّرت من العودة إلى الحكم الفردي والاستبداد. البيان الرسمي.
كما شددت المرجعية عام 2019 على أن استقرار العراق والسلم الأهلي فيه يتطلبان إخضاع السلاح كله لسلطة الدولة، وعدم السماح بوجود جماعات مسلحة خارج نطاقها تحت أي اسم أو عنوان. خطبة المرجعية في 13 كانون الأول/ديسمبر 2019.
لذلك فإن تصوير المرجعية بوصفها نقيضًا للدولة المدنية يتجاهل جانبًا أساسيًا من مواقفها المعلنة. ويمكن الاختلاف معها أو مناقشة رؤيتها، لكن الإنصاف يقتضي عرض مواقفها كما هي، لا كما يرغب خصومها في تصويرها.
صخرة لا يهزها الضجيج
أمام حملات التشويه، تبقى الوقائع أكثر قدرة على الصمود من الشعارات. لقد كان للمرجعية العليا دور بارز في مراحل مفصلية من تاريخ العراق: الدعوة إلى اختيار العراقيين ممثليهم، والتحذير من الفتنة الطائفية، والدفاع عن وحدة البلاد، وحشد الطاقات لمواجهة «داعش»، ودعم الاحتجاج السلمي، والمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد.
ولا يعني الدفاع عن هذه المواقف منح الحصانة لأي شخص أو مؤسسة من النقد؛ فالاحترام الحقيقي لا يُبنى على منع السؤال، بل على مناقشة الوقائع بإنصاف. لكن الفرق كبير بين من ينتقد موقفًا محددًا بالحجة والوثيقة، ومن يسعى إلى هدم المكانة المعنوية للمرجعية بالشتائم والاتهامات المجردة.
ستبقى المرجعية الصالحة، ممثلة بالسيد علي السيستاني، حاضرة في ذاكرة العراقيين من خلال مواقفها، لا من خلال الدعاية. أما الحملات الإعلامية، فسيحكم عليها الناس بقدر ما تحمله من حقيقة أو تضليل.
لقد تجاوز أثر المرجعية حدود الشخصية الفردية ليصبح جزءًا مهمًا من تاريخ العراق المعاصر. ومهما ارتفع الضجيج، فإن الكلمة المتزنة والموقف المسؤول يظلان أبقى من حملات التشهير؛ لأن التاريخ لا يحفظ الأصوات الأعلى، بل يحفظ المواقف الأصدق والأكثر أثرًا في حياة الناس.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!