لقد أظهرت الحقائق الميدانية، التي لا تقبل التأويل، أن جميع الأعمال العسكرية التي تقوم بها أميركا عن طريق قواتها البحرية، سواء أكانت في شكل مناورات أو تدريبات أو استشارات أو أي نوع من التعامل، ليست في صالح الدول المشاركة أبدًا.
ومن تصوّر، واهمًا أو متعمدًا، أن المناورات والتمارين العسكرية التي تقودها أميركا وتنفذها في أي منطقة من العالم هي من أجل استتباب الأمن وحفظ السلام، وبناء تعاون عسكري متكافئ بين دول العالم، فهو واهم لم يستوعب بعدُ حقيقة أميركا الاستعمارية، ودور قواتها الذي تؤديه من أجل سيطرتها وبسط نفوذها والتحكم في الممرات المائية الحيوية، في أعماق البحار ومضائقها، والسيطرة عليها وإخضاعها لأحكامها في تنفيذ أي عمل عدواني قد يُسلَّط على أي بلد لا يستجيب لرغباتها ويخضع لشروطها الاستغلالية.
فما حصل لفنزويلا وإيران وكوبا وكوريا الشمالية وأفغانستان والعراق وسورية، وإقامتها قواعد عسكرية في دول الخليج، أثبت أسلوب التحكم والسيطرة الذي تقوم به القوات البحرية الأميركية تنفيذًا للسياسة الخارجية الأميركية في المناطق المرشحة للتوتر والقريبة من البلدان المحسوبة عدوة لأميركا.
وهذه الأهداف باتت واضحة لكل مدرك لدور الهيمنة والإخضاع الذي تقوم به أميركا، حيث لم يعد بالإمكان إخفاؤه بعدما انكشفت أستاره في مناطق مختلفة.
المناورات بوصفها رسائل تهديد
من بين الأساليب التي توختها أميركا في السيطرة وبسط هيمنتها المناورات العسكرية الدورية التي يخطط لها ويقوم بها البنتاغون. ولا عجب من استجابة كثير من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية والأميركية اللاتينية للمشاركة مع أميركا في تلك المناورات، وهي عادة ما تكون لصيقة منطقة توتر ورسالة تهديد لدول بعينها.
فعلى سبيل المثال، نفذت أميركا، بمشاركة كوريا الجنوبية واليابان، سلسلة مناورات عسكرية دفاعية ثلاثية مشتركة، وهي مناورات تُجرى بصورة دورية؛ فالهدف المعلن عنها هو التنسيق بين قوات الدول الثلاث، والهدف المخفي إشعار كوريا الجنوبية واليابان بأن العدو المشترك لهما هو النظام الكوري الشمالي اليساري.
بينما يرى الشعبان الكوري الجنوبي والياباني أن كوريا الشمالية ليست عدوة لهما، وأن العدو الحقيقي هو أميركا التي تدخلت في كوريا، وتسببت في تقسيمها والبقاء في قسمها الجنوبي بقوات ضخمة، حائلةً دون توحيدهما.
مناورات «IMX 19» والمشاركة السعودية
شاركت القوات البحرية الملكية السعودية في أكبر مناورات في العالم، وهو التمرين الدولي المختلط متعدد الجنسيات «IMX 19»، مع القيادة البحرية المركزية الأميركية.
وذكرت وزارة الدفاع السعودية أن التمرين سيكون في المنطقة الممتدة من شمال الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب إلى سواحل جمهورية جيبوتي وخليج العقبة، مؤكدة أن المناورات ستكون في الفترة من 27 أكتوبر إلى 17 نوفمبر، وبمشاركة 56 دولة.
وجاء في بيان وزارة الدفاع السعودية أن التمرين يُعد الأكثر شمولًا في العالم، ويهدف إلى تعزيز العلاقات وقابلية العمل المشترك بين القوى الداعمة وعمليات الأمن البحري، من خلال العمل سويًا بين القوات المشاركة.
وأضافت أن «الهدف منه هو ردع الأخطار التي تهدد حرية الملاحة، وإظهار العزم العالمي للحفاظ على حرية الملاحة والتدفق الحر للتجارة البحرية».
المساعدات العسكرية ومعايير الولاء
من الغباء بمكان تصوّر أن أميركا مهتمة بأمن العالم واستقراره، وأن مساعيها التي تقوم بها، من مناورات وغيرها من الأعمال ذات الطابع العسكري، هي في صالح الدول المشاركة.
والعامل الوحيد الذي جعل بعض الدول تتهافت لإبرام اتفاقات عسكرية مع أميركا، وتوافق على إقامة تمارين أو مناورات عسكرية معها، هو الحصول على امتيازات ومساعدات تمايز بها بين الدول المشاركة بحسب تصنيفها الأميركي.
فليست المساعدات التي تقدمها لإسرائيل، مثلًا، كالتي تقدمها لمصر والأردن؛ فشتان بين تقديم تجهيزات عسكرية جديدة وحديثة لإسرائيل، وبين معدات مُرسكلة لمصر والأردن. وبالمنطق الأميركي، يكون العطاء بقدر العمالة والولاء.
مناورات الأسد الإفريقي
مناورات الأسد الإفريقي «African Lion Maneuvers» هي مناورات مشتركة تُقام دوريًا بين أميركا والمملكة المغربية بمنطقة طانطان منذ سنة 2004. وطانطان تقع شمالي الصحراء التي يسيطر عليها المغرب بعد خروج القوات الإسبانية منها، فيما يطالب الشعب الصحراوي باستقلاله، وتدعمه في مطلبه الجزائر ومنظمة الوحدة الإفريقية.
وهذه المناورات، كما لا يخفى، جاءت برغبة أميركية، وليس كما ادعت المملكة المغربية. وما قيل عن أنها قامت بناءً على رغبة الملك محمد السادس ليس سوى ذر للرماد في العيون.
وهي تستهدف، على المدى المتوسط، الجزائر التي ترفض أي تعاون عسكري مع أميركا. ومن الجانب الأميركي، فإن الجزائر معدودة من الدول غير الصديقة، كما تعتبر الجزائر، بالنسبة إلى المغرب، عدوة بسبب موقفها الصريح والواضح بخصوص الصحراء الغربية، حيث تعمل جاهدة من أجل استقلالها وخلاصها من الاحتلال المغربي بعد أن تخلصت من الاحتلال الإسباني.
القيادة الأميركية في إفريقيا
على مستوى الوجود الدائم في إفريقيا، تتمركز قوات أميركية تحت قيادة «USAFRICOM»، وهي وحدة مكوّنة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الحرب الأميركية، ومسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية والعلاقات العسكرية مع 53 دولة إفريقية.
وكانت القيادة الإفريقية قد تأسست في الأول من أكتوبر 2007، بوصفها قيادة مؤقتة تحت القيادة الأميركية لأوروبا، التي كانت، لمدة تزيد على عقدين، مسؤولة عن العلاقات العسكرية الأميركية مع أكثر من 40 دولة إفريقية. وقد بدأت القيادة الإفريقية نشاطها رسميًا بعد سنة.
المناورات الأميركية الإسرائيلية والتركية
أما المناورات العسكرية بين أميركا وإسرائيل، فهي متعددة ودورية، سواء على أرض فلسطين المحتلة، أو في عرض البحر الأبيض المتوسط، أو البحر الأحمر، أو في أميركا.
وليست تركيا ببعيدة عن هذه الاتفاقات ومناوراتها؛ فقد وقّعت معها، عام 1958، «الاتفاق الطارئ للتعاون العسكري وتبادل المعلومات». وفي سنة 1996، وقّعت حكومتا تركيا وإسرائيل اتفاقيات تعاون عسكري، منها تشكيل مجموعة أبحاث استراتيجية مشتركة، وإقامة مناورات مشتركة بين جيشي البلدين.
ومنها تدريب «عروس البحر الموثوقة»، وهي تدريبات بحرية بدأت في يناير 1998، والعملية «أورتشارد» للقوات الجوية لكلا البلدين. كما يوجد مستشارون عسكريون إسرائيليون في القوات المسلحة التركية، وتشتري تركيا من إسرائيل العديد من الأسلحة، وكذلك تقوم دولة إسرائيل بتحديث الجيش التركي من دبابات وطائرات حربية.
تونس ومناورات «فينيكس إكسبريس 2026»
ليست تونس ببعيدة عن الاتفاقات العسكرية الأميركية؛ فهي موجودة ضمن الإطار الإفريقي من جهة، ولها ارتباط ثانٍ مع دول شمال البحر الأبيض المتوسط.
وقد انطلقت هذا الأسبوع رسميًا، من تونس والبحر الأبيض المتوسط، مناورات «فينيكس إكسبريس 2026» في عامها الحادي والعشرين، بقيادة القوات البحرية الأميركية في أوروبا وإفريقيا، ممثلةً بالأسطول السادس الأميركي.
ومن 7 إلى 18 سبتمبر، تعمل القوات البحرية الأميركية والتونسية، إلى جانب قوات بحرية من دول أخرى في شمال إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، جنبًا إلى جنب لتعزيز التنسيق وتبادل أفضل الممارسات في التصدي للتهديدات الحقيقية.
النيات الكامنة خلف التصريحات
قال السفير الأميركي لدى تونس، بيل بزي: «من خلال فينيكس إكسبريس، نعزز قدراتنا الدفاعية للتصدي للتهديدات المشتركة وحماية الأميركيين والتونسيين على حد سواء».
لكن هذه التصريحات لا تعكس حقيقة نيات أميركا في السيطرة والهيمنة وبسط نفوذها ونشر قواتها العسكرية؛ ليسهل عليها التدخل في أي نقطة من العالم، بقوات مدرّبة تدريبًا يتلاءم مع أي منطقة بحسب أهميتها التي تستدعي التدخل العسكري.
إن آخر ما يهم الأميركيين هو أمن شعوب العالم، بالنظر إلى الطبع الاستعماري الطاغي على عقلية الحكام الأميركيين. فمن صنع القاعدة وداعش وسائر عناوين الإرهاب لا يمكنه أن يكون صادقًا في مسعاه الذي أعلنه لمحاربة صنيعه؛ فما رأينا يومًا كلبًا يأكل ذيله.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!