كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

اليوم الدولي للديمقراطية

 خصصت الأمم المتحدة يوم 15 أيلول/سبتمبر من كل عام للاحتفال بـ«اليوم الدولي للديمقراطية». وفي هذا اليوم نستعرض مسيرة الديمقراطية في العالم، وهي مسيرة متعددة المسارات؛ بعضها سلمي، وبعضها الآخر جرى، للأسف، عبر استخدام القوة العسكرية لفرض الديمقراطية خيارًا لتنظيم الحياة السياسية في الدول التي عانت طويلًا من الاستبداد.

يمثل الاحتفاء بهذا اليوم فرصة لتقييم حال الديمقراطية عالميًا؛ فالحكم الديمقراطي تطلع مشترك للشعوب وهدف بحد ذاته، كما أنه وسيلة لا غنى عنها لتحقيق التنمية البشرية؛ لأن التنمية لا تتحقق إلا في مناخ ديمقراطي.

تقوم الديمقراطية على ثلاث ركائز أساسية: الحرية، واحترام حقوق الإنسان، وإجراء انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام. وقد وردت هذه القيم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي توفر البيئة اللازمة لحماية الحقوق ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

لكن هل يمكن أن يكون العالم كله ديمقراطيًا؟

الجواب صعب؛ فمصالح الدول الكبرى تقتضي أحيانًا وجود أنظمة غير ديمقراطية، ولا سيما في الدول ذات الموقع الاستراتيجي أو الغنية بالنفط، خوفًا من وصول قوى متشددة إلى السلطة.

ويعلمنا التاريخ أن الديمقراطية نفسها قد تنتج أنظمة استبدادية. ومثال هتلر واضح؛ فقد وصل إلى السلطة عبر آليات دستورية، ثم استخدم المؤسسات الديمقراطية سلّمًا للوصول إلى الدكتاتورية. ولم تعد ألمانيا وإيطاليا إلى المسار الديمقراطي إلا بعد التدخل العسكري لقوات الحلفاء.

وهنا يأتي السؤال عن المنطقة العربية: كيف تصل إليها الديمقراطية بعد عقود من حكم الأنظمة الاستبدادية؟

الطريق الوحيد الذي ظهر أمامنا كان مفروضًا من الخارج، عبر ما يمكن وصفه بـ«قذف الديمقراطية من الطائرات والبارجات». فالأنظمة الدكتاتورية لا تسقط بسهولة من دون عوامل خارجية فاعلة، كما حدث في العراق وليبيا.

والتجربة العراقية شاخصة؛ فعلى الرغم من بطئها وتعثرها، قطعت أصعب الأشواط، وهو اقتناع الشعب بالديمقراطية خيارًا لتنظيم الحياة السياسية ومغادرة زمن الانقلابات. واليوم أصبح التغيير يتم عبر الآليات الديمقراطية ومخرجاتها، وتأسست قاعدة شعبية تؤمن بهذا المسار، لكنه يحتاج إلى وقت طويل حتى ينضج.

ومن الظلم مقارنة الديمقراطية العراقية الناشئة بديمقراطيات أوروبا وأمريكا؛ لأن تلك الديمقراطيات مرت بمراحل طويلة قبل أن تصل إلى ما هي عليه الآن.

الخلاصة

إن أهم عنصر لجعل العالم أكثر ديمقراطية هو فهم الديمقراطية بمعناها الواسع؛ فهي ليست صناديق اقتراع فحسب. وإذا اختزلناها في الانتخابات، جرّدناها من دورها الاجتماعي والتربوي والاقتصادي.

الديمقراطية الحقيقية سلوك يومي يُمارس في البيت والمدرسة والشارع، ويتجسد في احترام القانون وقبول الاختلاف. والمفارقة الأكبر أن الديمقراطيات الغربية نفسها تبتعد أحيانًا عن أسسها، عندما تحاول فرض الديمقراطية علينا بوسائل غير ديمقراطية.

الديمقراطية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!