كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بلاءُ أهل الإيمان.. في بَلَدِنَا لُبنَان!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
يمرُّ أهلُنا في لبنان ببلاءٍ عظيم..
يوسَعون كلِّ يوم جَرحاً وقتلاً، ويلقون تطريداً وتشريداً، حتى سُمِعَت الواعية في جُلِّ دورنا، فضاقت صدورنا، وتألَّمت قلوبنا.
 
قَد يتعجَّبُ أحدنا عندما ينظر إلى ذلك، ويقرأ في الحديث القدسيّ ما يقوله الله تعالى: مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْ‏ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي مَوْتِ عَبْدِيَ المُؤْمِن‏! (الكافي ج2 ص246).
 
ليس المراد بالتردُّد معناه المعروف في حقّ المخلوق، بل المقصود بيان عظيم منزلة المؤمن عند الله تعالى، وأن ما يقدِّره له إنما يجري على وفق الحكمة والرحمة، حتى إذا كره المؤمن الموت صرفه الله عنه ما دام بقاؤه خيراً له، فإذا جاء أجله كشف له ما أعد له من النعيم فاختار لقاء ربه.
 
يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ عن المؤمن:
إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَهُ فَيَكْرَهُ المَوْتَ فَأَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَدْعُونِي فِي الْأَمْرِ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَه! ‏(الكافي ج2 ص354).
 
لا يُكرِهُ الله المؤمن على الموت، بل يرسل له ريحاً تنسيه أهله وماله، وأخرى تسخي نفسه عن الدُّنيا وتقطع علائقه بها فيختار الموت، الذي ما يلبث أن يأتي كأطيب ريح يشمه، ويأتيه الملائكة بالرَّيحان من طيب الجنَّة، ويسقيه رضوانٌ من شراب الجنة فلا يعطش في قبره حتى يدخل الجنَّة ريَّاناً!
 
هكذا يكون موت المؤمن المطيع، أما المؤمن العاصي فيكون أمره مبهماً مخوفاً، لكنَّ الله لا يسويه بأعداء آل محمد، وإن دخل النار خرج بشفاعتهم عليهم السلام.
 
لكنَّ حقيقة الموت وكونه في صلاح المؤمن في واقع الأمر لا يعفينا من السؤال عن حالنا في أيامنا، وحال أهلنا وإخوتنا وأحبتنا في لبنان، وعن تكليفنا وما ينبغي أن نكون عليه.
 
هي وقفةٌ لا بدَّ منها، فالخطب جليل، والأمر عظيم، وهو لا يخلو من أحد وجهين:
 
1. أن يكون هذا البلاء خارجاً عن اختيارنا مطلقاً:
فنُسلِّمُ أمرنا لمشيئة الله، ونرتجي عليها الأجر والثواب، ونسأل الله بها كفارة الذنوب وستر العيوب ورفع الدرجات.
 
2. أن يكون لنا دورٌ في نزول البلاء:
أو إطالة أمده وتماديه، أو أن يكون بمقدورنا فعلُ شيء لرفعه، فإن قصَّرنا في ذلك كُنَّا كَمَن أعان على نفسه وأهله وأحبابه.
 
إنَّ إحياء المؤمنين لذكرى الإمام الحسين عليه السلام تُهوِّنُ عليهم الخطب مهما كان الأمر، فقد عرفوا أحداث عاشوراء ووعوها، وتَبَصَّروا قدر أصحابها، لذا.. ليس فيهم اليوم من يزعم لنفسه مكانةً تداني مكانة المعصوم، أو يقيس نفسه به، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ لَا يُقَاسُ بِنَا أَحَد! (عيون أخبار الرضا ج2 ص66).
 
وليس في الشيعة اليوم من يزعم أنَّ لكربلاء نظيراً، أو أنَّ لأصحاب الحسين عليه السلام مَثيلاً، وقد قال عنهم سلام الله عليه: إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَاباً أَوْفَى وَلَا خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي (الإرشاد ج2 ص91).‏
 
لم يكن غالبُ أصحاب الحسين عليه السلام أهلَ تقصير، ومَن كان منهم كذلك عاد ليكفِّر عن ذنبه في عاشوراء وينال أعلى الدرجات، وقد شاء الله أن يثيبهم جميعاً بما أنزل عليهم من بلاءٍ قبلوه بقبولٍ حسنٍ، وشَرَّفهم بالذبِّ عن سيد الشهداء عليه السلام.
 
ولكن..
لمّا لم نكن نحن ولا سوانا في مصاف هؤلاء العظماء..
 
لزم علينا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وقد قال الإمام الكاظم عليه السلام: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَإِنْ عَمِلَ حَسَناً اسْتَزَادَ الله، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئاً اسْتَغْفَرَ الله مِنْهُ وَتَابَ إِلَيْه (الكافي ج2 ص453).
 
ومما ينبغي النظر فيه اليوم أمران خطيران:
 
أوَّلهما: هل كنا من المستعجلين فأنزل الله علينا البلاء؟!
وثانيهما: هل عصينا الله وتركنا الأمر بالمعروف فسلط الله علينا أعداءنا؟!
 
أولاً: هل كنا من المستعجلين؟!
 
عندما سئل إمامنا الصادق عليه السلام عن الأمر الذي ننتظر، وهو ظهور الإمام عليه السلام، قال: كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ، وَهَلَكَ المُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا المُسَلِّمُونَ! (الكافي ج1 ص368).
 
لقد أشرنا مراراً إلى أنَّ التوقيت المنهيَّ عنه ليس منحصراً بتحديد يوم الظهور أو ساعته، فإنَّ من مصاديق التوقيت الجزم بأننا في عصر الظهور، أو أنَّ أحدنا سيحيا للظهور، أو أنَّ بعض الأحياء منا هم من أصحاب الإمام، أو أنَّ فلاناً سَيُسَلِّم الراية له عليه السلام، أو أنَّه السفياني أو اليماني أو الخراساني، أو أنَّ هذه الفئة أو تلك ستتصل أيامها بالظهور!
 
كلُّ هذا توقيتٌ منهيٌّ عنه، فلعلنا قد أخطأنا عندما اقتحمنا باباً من أبواب الغيوب نُهينا عنه.
 
ثمَّ ضاقت صدورنا! ونفذ صبرنا! فتعجَّلنا حيث لا يسوغ لنا ذلك، وقد نَبَّهَنا من قَبلُ إمامنا الباقر عليه السلام بقوله:
فَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ.. وَقَدْ كَانَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَصْبَرَ مِنْكُمْ.. وَأَنْتُمْ قَوْمٌ تُحِبُّونَّا بِقُلُوبِكُمْ وَيُخَالِفُ ذَلِكَ فِعْلُكُم!
.. مَا لَكُمْ لَا تَمْلِكُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتَصْبِرُونَ حَتَّى يَجِي‏ءَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالَّذِي تُرِيدُون‏؟! (قرب الإسناد 381).
 
لقد دَفَعَ الله تعالى عنَّا أعداءنا عن أن يسطوا بنا، كما وَعَدَنا إمامنا الصادق عليه السلام بقوله: وَلَوْ لَا أَنَّ الله تَعَالَى يَدْفَعُهُمْ عَنْكُمْ لَسَطَوْا بِكُم! (الكافي ج8 ص3).
 
وأمرنا الله بأن لا نستجلب على أنفسنا بلاءً زواه عنّا، ووعدنا بأن يشغل أعداءنا عنا شرط أن لا نتعرض لهم، كما قال الصادق عليه السلام: وَإِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَكُمْ بِجَائِحَةٍ إِلَّا أَتَاهُمُ الله بِشَاغِلٍ، إِلَّا مَنْ تَعَرَّضَ لهُم! (الغيبة للنعماني ص197‏)‏.
 
نحن لا ننكرُ أنَّ عدوِّنا يتربَّص بنا، وينتظر ساعةً تناسبه لينقضَّ علينا، وقد خلا قلبه من الرَّحمة والشفقة والإنسانية، وخالف كلَّ تعاليم السماء، وكان من أعدى أعداء المؤمنين، ولكن علينا أن نثق بربِّنا، ونتوكَّل عليه، ونمتثل أمره.
 
لكن حقَّ لنا أن نسأل أنفسنا:
 
هل لبسنا غير ثوبنا، وفعلنا خلاف تكليفنا، وأثرنا الغبرة وأشعلنا المواجهة واستجلبنا على أنفسنا حرباً أو استعجلناها.. حتى نزل البلاء بنا، وغزانا العدوّ في عقر دارنا، فوجب علينا أن نرجع إلى ربنا، ونراجع أنفسنا فيما سهونا أو أخطأنا، ونسأله تعالى بقلوبٍ صادقة أن يتجاوز عنا، ويقهر عدوِّنا، ويرد كيده إلى نحره، ويحفظنا جميعاً بحفظه، إنه على كلِّ شيء قدير.
 
وإذا كنا قد أخطأنا فاستجلبنا عدواً خبيثاً حقيراً، دفعه الله في ماضي الأيام عنا، حتى صرنا نقطف ثمار سوء اختيارنا وأفعالنا، فإن عودَنَا إلى الله تعالى كفيلٌ بدَفع السوء عنّا، وأن لا يستبدل بنا غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا.. نعوذ بالله تعالى من ذلك ومن سوء العاقبة والمنقلب.
 
ولئن وصف الإمام الصادق أهل جنوب لبنان فقال: وإنَّ فيهم رجالاً ينتظرون، والله يحب المنتظرين (أمل الآمل ج١ ص16)، فحَريٌّ بنا أن نكون جميعاً من المنتظرين، وأن لا يستعجل بعضُنا فيُهلِكَ نفسَه ويؤذي إخوانه!
 
ولقد أعطى عليه السلام علامة لهؤلاء المنتظرين فقال: واللينة قلوبهم لنا، والقاسية قلوبهم على أعدائنا! (أمل الآمل ج١ ص16).
فمَن لانَ قلبه لآل محمدٍ عليهم السلام لانَ قلبه لأوليائهم، وقسا على أعدائهم.. لذا لا يسوغُ لأحدنا أن يبرأ من أخيه، ولا أن يكسره، وقد أوجب الله علينا أن نكون جَسَدَاً واحداً، يبرُّ بعضنا بعضاً، ويأخذ أحدنا بيد أخيه ويرفعه إليه برفقٍ، ومودةٍ، ومحبَّة، ليرحمنا الله برحمته، ويزوي عنه غضبه.
 
ثانياً: هل عصينا وتركنا الأمر بالمعروف؟!
 
لقد دلت الأحاديث الشريفة على أنَّ لبعض المعاصي عقوباتٍ عاجلة، تنزل في هذه الدُّنيا قبل الآخرة.
ومن ذلك أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك طاعة الأخيار من آل محمد، ونقض عهد الله ورسوله موجبٌ لتسليط الأعداء!
 
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله في وصفٍ الأقوام الذين يخالفون أمر الله: وَإِذَا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْأَخْيَارَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَلَّطَ الله عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، فَيَدْعُوا خِيَارُهُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ!
وفي حديث آخر: وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ الله وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ الله عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُم!‏ (الكافي ج2 ص374).
 
لقد وفَّقَ الله الشيعة لطاعته في أحب الأشياء إليه، وهو توحيده والإيمان بنبيه وأوليائه، لكنَّنا للأسف خالفنا الكثير من تعاليمهم!
 
- ألم نكفر ببعض نِعَم الله، حين ارتكبنا المنكرات جهاراً نهاراً؟!
- ألم يترك كثيرٌ منّا أركان الطاعة كالصلاة والصوم؟!
- ألم نستسهل الكذب والغيبة؟!
- ألم تخلع بعض نسائنا جلباب الحياء والعفَّة في الشوارع والطُّرُقات؟!
- ألم نرتكب المنكرات في نوادينا وشواطئنا؟!
- ألم تنتشر مظاهر الفسق في بلادنا ليلاً نهاراً.. سهراً وجهاراً؟!
 
هذا بعضُ ما ابتلي به مجتمعنا!
 
ثُمَّ لم يكن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيننا حِسٌّ ولا خَبَر! إذ صار يُعَابُ ذلك على الآمر والناهي، ويُرَدُّ عليه، ويُلام ويعاتَب ويُستنكر فعله!
 
فلا عَجَبَ حينها أن يُسَلِّطَ الله علينا عدوَّنا، ولا يقبل دعاء خيارِنا!
 
لم نكن جميعاً من أهل المعاصي.. فبيننا كثيرٌ من أهل الخير والصدق والبرّ والإيمان، وليست هذه المعاصي سمةً عامَّةً في مجتمعنا، فعندنا مِن أصحاب النقاء والصَّفاء مَن تُضرَبُ بهم الأمثال! وفينا من هو خلاف ذلك والعياذ بالله!
 
لذا نسأل أنفسنا اليوم:
- هل كنا عباداً لله حقاً وصِدقاً؟! أم أصابنا الكبرياء فقَهَرَ بعضُنا بعضاً كلٌّ بما يقدر عليه؟!
- هل كنَّا كالجسد الواحد إخوةً متحابِّين؟! أم كنا بمثابة الأعداء المُتَسابِّين؟! ثمَّ لا يقبل أحدنا من أخيه موعظةً ولا كلمة؟!
 
إنَّ الله تعالى يحبُّ الشيعة حتى لو كانوا عصاةً، لأنَّهم أطاعوه في أحبِّ الأشياء إليه، لكنَّه يبغض فِعالهم القبيحة، ويعاقبهم عليها في الدُّنيا لما فيه صلاحهم.
 
وكذا كلُّ مؤمنٍ، فإنَّه يبغض فعلَ أخيه المؤمن العاصي، لكنَّه لا يبغض روحه التي خُلِقَت من فاضل طينة الأئمة، وعُجِنَت بماء ولايتهم!
 
هذا هو حالُنا اليوم..
ونحن نسأل الله تعالى أن يرفع عنَّا هذا البلاء، ويعيد إلينا نعمة الأمن والأمان، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام:
وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ، وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَأَصْلَحَ لهُمْ كُلَّ فَاسِد (نهج البلاغة الخطبة178).
 
ثمَّ إذا شاء الله أن يؤخر رفع ذلك عنَّا، فنسأله أن يعطينا معه: صَبْراً يَقْهَرُهُ وَيَدْمَغُه‏.. ويجعله صاعداً في رضوانه.. ينمي به حسناتنا وشرفنا ومجدنا وكرامتنا في الدُّنيا والآخرة.
 
خلاصة الأمر أنه لا ينبغي أن يدفعنا البلاء لليأس، ولا إلى أن يبرأ بعضنا من بعض، بل إلى مراجعة أنفسنا، والصبر، والاعتصام بالله، والتوكل عليه.
 
اللهم اجمع شملنا بإمامنا المنتظر، وعجِّل فرجه، وسهِّل مخرجه، وانصرنا على عدوِّك وعدوِّنا، بمحمد وآل محمد عليهم السلام.
والحمد لله رب العالمين
 
السبت 30 – 5 – 2026 م، الموافق 13 ذو الحجة 1447 هـ
من جوار أمير المؤمنين عليه السلام

dc953a47-9295-48c1-8e02-38ecd8e7d834.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!