كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القادَةُ الهَلكى!

بسم الله الرحمن الرحيم
 
لقد حَذَّرَ أميرُ المؤمنين عبادَ الله من إبليس فقال: فَاحْذَرُوا عِبَادَ الله عَدُوَّ الله أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ، وَأَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِه!
 
ولقد كان من دائه الفَخرُ والكبر، فقال عليه السلام: فَلَعَمْرُ الله لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُم!‏
ثم سرى هذا الداء الى أتباعه من المترئسين بالباطل: فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَكُبَرَائِكُمْ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ، وَتَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ! (نهج البلاغة خطبة192).‏
 
أضاءت هذه الكلماتُ على لونٍ خَفيٍّ من ألوان الامتحان، ذاك حيث يُبتلى الناس بطاعة فئةٍ من الكبار والقادة، مع كونهم من سيوف إبليس وجنوده! وأركان فتنته! فما أصعب ذلك على المؤمن!
 
لقد فاضلَ الله تعالى بين خلقه، فرفع بعضهم على بعضهم، وجعل منهم أئمةً وسادةً وقادة، وألزم طاعتهم على عباده، بعد أن جعلهم أهلاً للرئاسة، وقد قال الباقر عليه السلام: إِنَّ الرِّئَاسَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِأَهْلِهَا (الكافي ج1 ص47).
 
لكنَّ حُبَّ الرئاسة هاجَ في قلوب بعض العباد، وصار قريناً لأشهر وأقدم أسباب المعاصي! فعن رسول الله (ص): إِنَّ أَوَّلَ مَا عُصِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ بِهِ سِتٌّ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ، وَحُبُّ الطَّعَامِ، وَحُبُّ النَّوْمِ، وَحُبُّ الرَّاحَةِ، وَحُبُّ النِّسَاء (الكافي ج2 ص289).
 
فكان حُبُّ الرئاسة قريناً لحُبِّ الدُّنيا.. وواحداً من أخطر أبواب المعاصي وأقدمها! وباباً للهلاك والإهلاك!
 
يشمل ذلك:
1. مَن ترأّسَ بالباطل فِعلاً!
2. ومَن طَلَبَ الرِّئاسة دون أن ينالها!
3. ومَن راودته نفسه في طلبها!
4. ومن اتَّبَعَ هؤلاء الرؤساء!
 
فعن الصادق عليه السلام: مَنْ طَلَبَ الرِّئَاسَةَ هَلَكَ!
وعنه عليه السلام: وَالله مَا خَفَقَتِ النِّعَالُ خَلْفَ رَجُلٍ إِلَّا هَلَكَ وَأَهْلَكَ!
وعنه عليه السلام: مَلْعُونٌ مَنْ تَرَأَّسَ! مَلْعُونٌ مَنْ هَمَّ بِهَا! مَلْعُونٌ مَنْ حَدَّثَ بِهَا نَفْسَهُ! (الكافي ج2 ص297-298).
 
إنَّ منازعةَ أولياء الله جهاراً نهاراً من أوضح مصاديق الرئاسة الباطلة، لكنَّ لها نماذج أخرى نقف عند اثنين منها:
 
النموذج الأول: كُلٌّ يُحِبُّ أن يُدعى رأساً!
 
لقد شكا بعض أصحاب الأئمة اختلاف الشيعة لإمامنا الصادق عليه السلام فقال: إِنِّي لَأَجْلِسُ فِي حِلَقِهِمْ بِالكُوفَةِ فَأَكَادُ أَشُكُّ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِيثِهِمْ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، فَيُوقِفَنِي مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ نَفْسِي وَيَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ قَلْبِي!
 
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (ع): أَجَلْ هُوَ كَمَا ذَكَرْتَ يَا فَيْضُ! إِنَ النَّاسَ أَوْلَعُوا بِالكَذِبِ عَلَيْنَا.. وَإِنِّي أُحَدِّثُ أَحَدَهُمْ بِالحَدِيثِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي حَتَّى يَتَأَوَّلَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ بِحَدِيثِنَا وَبِحُبِّنَا مَا عِنْدَ الله، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا، وَكُلٌّ يُحِبُّ أَنْ يُدْعَى رَأْساً!
أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَرْفَعُ نَفْسَهُ إِلَّا وَضَعَهُ الله، وَمَا مِنْ عَبْدٍ وَضَعَ نَفْسَهُ إِلَّا رَفَعَهُ الله وَشَرَّفَهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ بِحَدِيثِنَا فَعَلَيْكَ بِهَذَا الجَالِسِ، وَأَوْمَى إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَسَالتُ أَصْحَابَنَا عَنْهُ فَقَالُوا: زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ (رجال الكشي ص136).
 
يكشف هذا الحديثُ عن أمورٍ هامَّةٍ منها:
 
أولاً: أنَّ أحد أسباب اختلاف الشيعة هو كثرة الكذب على الأئمة عليهم السلام، إلى حَدِّ أنَّ من الناس من أولعَ بذلك وأصابه النَّهَم، وكأنَّ همَّه هو الكذب عليهم! حتى أدَّى ذلك إلى الحيرة والشكّ عند بعض الشيعة!
 
إنَّ كلام المعصومين عليهم السلام لا يختلف في نفسه، إلا أن يُلجَؤوا إلى التقية، فيكون الناس في سعة من ذلك الاختلاف، وقد أقام الأئمة علامات لشيعتهم يُميِّزون بها ما صدر تقيةً عن غيره.
 
ولمَّا كانت كثرة الكذب عليهم سِمَةً بارزةً عند بعض الناس، كان الشيعة يرجعون إلى الأئمة وأصحابهم لتمييز الحق من الباطل، وأرشدهم الأئمة إلى الثقاة منهم، واهتمَّ الشيعة بالحديث اهتماماً واسعاً فحُفِظَت أحاديث الأطهار حتى يومنا هذا.
 
ثانياً: أنَّ الكذب تارةً يكون بنسبة حديثٍ باطلٍ إليهم عليهم السلام، وأخرى يكون بنسبةٍ تأويلٍ باطلٍ لهم!
وأهل التأويل الباطل هؤلاء كانوا يحضرون في مجالس الأطهار! ويسمعون كلامهم وحديثهم، لكنَّ حضورهم وسماعهم ما كان لوجه الله تعالى! إذ أنَّهم يأتون الأئمة بِنِيَّةٍ فاسدةٍ طالبين للرئاسة! ولو كانت رئاسة دينية نِسبيَّة!
 
ولعلَّ هؤلاء من مصايق ما ورد في الحديث: مَنْ طَلَبَ عِلْماً لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ لَمْ يَجِدْ رِيحَ الجَنَّة (الأمالي للطوسي ص527).
 
إنَّ مَن طلب العلم لله تعالى زاده العلم تواضعاً، وزاده الله به رِفعةً!
لكنَّ مَن طلبه للرئاسة كان ذلك أسرع في دينه من الذئب الضاري في الغنم! فهلك وأهلك!
لذا يحذر المؤمن على دينه من طلاب الدنيا باسم الدين، فهم أخطر على دينه من سواهم.
 
النموذج الثاني: لذَّة الرئاسة الباطلة!
 
يكشفُ حديثٌ آخر عن الإمام السجاد معنىً في غاية الخطورة، ذاك حيثُ يعجزُ بعضُ الناس عن تناول الدُّنيا كسائر طُلَّابِها، فينصب الدين فَخَّاً لها!
 
وهؤلاء على أصناف شتّى:
 
1. فمنهم من يجعل الدين باباً للكسب الحرام! ما إن يفُتَحَ له حتى ينغمس فيه!
2. ومِنهم مَن يترك ذلك كي يقع على امرأة محرَّمة! أو لضعف عقله!
3. ومنهم من يترك هذا وذاك لأجل الرئاسة الباطلة! ويرى أنَّ لذَّتها أفضل من سائر اللذات! وهو أشدُّهم عذاباً، وأخطرهم على دين المؤمنين.
 
يقول الإمام السجاد عليه السلام:
إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ حَسُنَ سَمْتُهُ وَهَدْيُهُ، وَتَمَاوَتَ فِي مَنْطِقِهِ، وَتَخَاضَعَ فِي حَرَكَاتِهِ، فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّنَّكُمْ! فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يُعْجِزُهُ تَنَاوُلُ الدُّنْيَا وَرُكُوبُ الحَرَامِ مِنْهَا لِضَعْفِ نِيَّتِهِ وَمَهَانَتِهِ وَجُبْنِ قَلْبِهِ، فَنَصَبَ الدِّينَ فَخّاً لَهَا!
فَهُوَ لَا يَزَالُ يَخْتِلُ النَّاسَ بِظَاهِرِهِ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ حَرَامٍ اقْتَحَمَهُ!
 
هؤلاء من أهل المكر والخداع، يُظهِرُون خلافَ ما يبطنون!
علامة أحدهم أنَّه يجمع حُسنَ السَّمت الظاهر، واقتحام الحرام وركوبه ما إن تسنح له سانحةٌ بذلك!
ولعلَّ أكثر أبواب الحرام هذه هي المال المُحرَّم، الذي يُصيبُ النَّاس بالسُّكر كما يصيبهم الشراب! (الخصال ج‏2 ص636).
 
لكنَّ صِنفاً من تُجَّار الدين يجتنب المال الحرام، يقول عنه السجاد عليه السلام:
وَإِذَا وَجَدْتُمُوهُ يَعِفُّ عَنِ المَالِ الحَرَامِ، فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّنَّكُمْ! فَإِنَّ شَهَوَاتِ الخَلْقِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَنْبُو عَنِ المَالِ الحَرَامِ وَإِنْ كَثُرَ، وَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى شَوْهَاءَ قَبِيحَةٍ فَيَأْتِي مِنْهَا مُحَرَّماً!
 
فَإِذَا وَجَدْتُمُوهُ يَعِفُّ عَنْ ذَلِكَ فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّنَّكُمْ حَتَّى تَنْظُرُوا مَا عُقْدَةُ عَقْلِهِ! فَمَا أَكْثَرَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ أَجْمَعَ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إِلَى عَقْلٍ مَتِينٍ! فَيَكُونُ مَا يُفْسِدُ بِجَهْلِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ بِعَقْلِهِ! (الإحتجاج ج‏2 ص320).
 
قد لا يرتكب هؤلاء الفواحش، لكنَّهم لم يرزقوا العقل المتين الذي به صلاح الدُّنيا والآخرة! حتى يصير الجهلُ والحمق علامة لهم!
 
ثمَّ إنَّ من أهل النفاق هؤلاء من لا يكون بهذه المثابة.. فينبغي النظر في محبته للرئاسات الباطلة، يقول السجاد عليه السلام:
فَإِذَا وَجَدْتُمْ عَقْلَهُ مَتِيناً فَرُوَيْداً لَا يَغُرَّكُمْ! تَنْظُرُوا أَ مَعَ هَوَاهُ يَكُونُ عَلَى عَقْلِهِ؟ أَمْ يَكُونُ مَعَ عَقْلِهِ عَلَى هَوَاهُ؟
وَكَيْفَ مَحَبَّتُهُ لِلرِّئَاسَاتِ البَاطِلَةِ! وَزُهْدُهُ فِيهَا!
 
فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ! يَتْرُكُ الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا! وَيَرَى أَنَّ لَذَّةَ الرِّئَاسَةِ البَاطِلَةِ أَفْضَلُ مِنْ لَذَّةِ الأَمْوَالِ وَالنِّعَمِ المُبَاحَةِ المُحَلَّلَةِ! فَيَتْرُكُ ذَلِكَ أَجْمَعَ طَلَباً لِلرِّئَاسَةِ!
حَتَّى إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ! فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المِهادُ، فَهُوَ يَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ، يُوقِدُهُ أَوَّلَ بَاطِلٍ إِلَى أَبْعَدِ غَايَاتِ الخَسَارَةِ وَيُمِدُّهُ رَبُّهُ بَعْدَ طَلَبِهِ لِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي طُغْيَانِهِ، فَهُوَ يُحِلُّ مَا حَرَّمَ الله، وَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله، لَا يُبَالِي مَا فَاتَ مِنْ دِينِهِ إِذَا سَلِمَتْ لَهُ الرِّئَاسَةُ الَّتِي قَدْ شَقِيَ مِنْ أَجْلِهَا! فَأُولَئِكَ الَّذِينَ غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لهُمْ عَذاباً مُهِيناً!
 
إنَّ علامة أحدهم حُبُّ الرئاسة، والسعي لها، والتضحية بسواها لأجلها، ولو كانت التضحية بنِعَمٍ أحلَّها الله، إذا كان ترك هذه النِّعَمُ يُعينُ على تحصيل وتحصين الرئاسة الباطلة!
إنَّ طالبَ الرئاسة هذا لا يكترث لدين الله! ولا شيء يمنعه من التلاعب بأحكام الله! ولا يقبل النُّصحَ والإرشاد! فيملي له الله تعالى ليزداد إثماً!
 
إنَّ أخطر ما قد تبتلى به أمَّةُ الإسلام هو أصحاب الرئاسة الباطلة، لأنَّ الفاسق العاصي يقتصر فساده غالباً على نفسه، وهؤلاء يَعُمُّ فسادُهم غالباً على كلَّ مَن كان لهم تبعاً، ولقولهم مُصَدِّقاً.
 
في قبال هؤلاء علماءٌ بررةٌ أتقياء، يُرشدُ السجاد عليه السلام إلى صفاتهم،  ويأمر بالتمسُّك بهم، فيقول عليه السلام:
وَلَكِنَّ الرَّجُلَ، كُلَّ الرَّجُلِ، نِعْمَ الرَّجُلُ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ هَوَاهُ تَبَعاً لِأَمْرِ الله، وَقُوَاهُ مَبْذُولَةً فِي رِضَى الله، يَرَى الذُّلَّ مَعَ الحَقِّ أَقْرَبَ إِلَى عِزِّ الأَبَدِ مِنَ العِزِّ فِي البَاطِلِ..
فَذَلِكُمُ الرَّجُلُ، نِعْمَ الرَّجُلُ، فِيهِ (فبه) فَتَمَسَّكُوا، وَبِسُنَّتِهِ فَاقْتَدُوا وَإِلَى رَبِّكُمْ فَتَوَسَّلُوا، فَإِنَّهُ لَا تُرَدُّ لَهُ دَعْوَةٌ، وَلَا يُخَيَّبُ لَهُ طَلِبَةٌ! (الإحتجاج ج‏2 ص321).
 
كَم فَرقٌ بين من يحيي به الله النفوس الميتة، وبين من يقتل أهل الهدى بسيف ضلاله!
كم ينبغي التمسُّك بهؤلاء، والهرب من أولئك! أجارنا الله منهم ومن فتنتهم.

20170615035806.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!