فِي هَذَا الزَّمَنِ الْمَائِلِ كَغُصْنٍ أَرْهَقَتْهُ الرِّيحُ،
بَقِيَ الْمِفْتَاحُ فِي كَفِّ الْيَدِ،
وَضَاعَ الْبَابُ فِي غُبَارِ الْجِهَاتِ
وأرضٌ تنكرُ ممرّاتها
يَدٌ تُمْسِكُ سِرَّ الْعُبُورِ،
وَلَيْلٌ يَمُدُّ أَجْنِحَتَهُ فَوْقَ أَعْمَارِ الْمُنْتَظِرِينَ
شَبَابٌ يَمْشُونَ وَفِي أَصَابِعِهِمْ
مَفَاتِيحُ مِنْ ضَوْءٍ لَا يَصْدَأُ
في أصابعِهم
مفاتيحُ العلمِ،
والحلمِ،
وفكرةٌ
لم تجدْ رحمًا يولّدُها
وَمِفْتَاحُ قَلْبٍ ظَلَّ يَطْرُقُ أَبْوَابَ الْغَدِ
حَتَّى تَعِبَ صَدَى الطَّرَقَاتِ
يَحْمِلُونَ فِي جُيُوبِهِمْ خَرَائِطَ لِمُدُنٍ لَمْ تُبْنَ بَعْدُ،
وَفِي عُيُونِهِمْ شُرُفَاتٌ مَشرعةٌ عَلَى الْفَجْرِ،
وَفِي صُدُورِهِمْ حُقُولٌ كَامِلَةٌ تَنْتَظِرُ الْمَطَرَ
لَكِنَّهُمْ حِينَ يَصِلُونَ إِلَى مَحَطَّةِ الْاِنْتِظَارِ،
لَا يَجِدُونَ إِلَّا مَقَاعِدَ بَارِدَةً،
وَسَاعَاتٍ مَيِّتَةً،
مُعَلَّقَةً عَلَى جِدَارِ الصَّمْتِ،
تَعُدُّ نَبْضَ الْغَائِبِينَ، وَلَا تَفْتَحُ الطَّرِيقَ
أَيْنَ الْبَابُ؟
يَا سُؤَالًا يَمْشِي حَافِيًا فَوْقَ أَرْصِفَةِ الْعُمُرِ
أَيْنَ النَّافِذَةُ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنْهَا الصَّبَاحُ؟
أَيْنَ الْيَدُ الَّتِي تُمْسِكُ بِالْحُلْمِ
قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ حَافَةِ الْغِيَابِ؟
صَارَ الشَّابُّ يَحْمِلُ مِفْتَاحَ الْخِبْرَةِ
قَبْلَ أَنْ تُهْدَى لَهُ لَحْظَةُ التَّجْرِبَةِ،
يَحْمِلُ بَذْرَةَ الْإِبْدَاعِ،
وَالْأَرْضُ مِنْ حَوْلِهِ حَجَرٌ،
يَحْمِلُ جَنَاحَ الطُّمُوحِ،
وَالسَّمَاءُ مُثْقَلَةٌ بِأَقْفَاصِ الْاِنْتِظَارِ
كَمْ نَجْمَةٍ أَطْفَأَهَا لَيْلُ الْفُرَصِ الضَّائِعَةِ،
وَكَمْ نَهْرٍ اخْتَنَقَ فِي صَدْرِ الصَّخْرِ
لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَجْرَاهُ،
وَكَمْ أُغْنِيَةٍ ذَابَتْ فِي حَنْجَرَةِ شَاعِرٍ،
لِأَنَّ الْعَالَمَ كَانَ يَرْفَعُ ضَجِيجَهُ
فَوْقَ صَوْتِ الْحَيَاةِ
لَكِنْ،
لَا تَحْزَنْ يَا مَنْ يَحْمِلُ الْمِفْتَاحَ،
فَلَيْسَتْ كُلُّ الْأَبْوَابِ تُورِّثُ مَفَاتِيحَهَا،
فَبَعْضُ الْأَبْوَابِ تُولَدُ مِنْ قَبْضَةِ الَّذِينَ طَرَقُوا كَثِيرًا
اصْنَعْ بَابَكَ مِنْ صَبْرِكَ،
وَاجْعَلْ مِنْ تَعَبِكَ خَشَبَهُ،
وَمِنْ جِرَاحِكَ مَسَامِيرَهُ،
وَمِنْ أَحْلَامِكَ نَافِذَةً لَا يُغْلِقُهَا اللَّيْلُ،
وَاجْعَلْ مِنْ إِيمَانِكَ مِفْتَاحًا
يَفْتَحُ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْأَقْفَالُ
فَالشَّبَابُ لَيْسُوا طَوَابِيرَ عَلَى رَصِيفِ الِانْتِظَارِ،
وَلَا ظِلَالًا تَبْحَثُ عَنْ جِدَارٍ،
إِنَّهُمْ بُذُورُ غَابَةٍ تُخَبِّئُهَا الْأَرْضُ تَحْتَ التُّرَابِ،
وَهُمُ الْفَجْرُ الَّذِي يَتَهَيَّأُ خَلْفَ سَتَائِرِ اللَّيْلِ،
وَالنَّبْضُ الَّذِي يَخْتَبِئُ تَحْتَ رَمَادِ السِّنِينَ
وَسَيَأْتِي يَوْمٌ،
لَنْ يَرْفَعُوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَائِلِينَ
أَيْنَ الْبَابُ؟
بَلْ سَيُشِيرُونَ إِلَى الطَّرِيقِ بِأَيْدِيهِمْ،
وَيَقُولُونَ
هُنَا كَانَ الْفَرَاغُ ذَاتَ يَوْمٍ،
هُنَا نَامَتْ أَحْلَامٌ كَثِيرَةٌ،
وَهُنَا، بِأَيْدِينَا،
بَنَيْنَا الْبَابَ،
وَصَنَعْنَا الطَّرِيقَ..
مجد الكروم
✦ كتابات في الميزان ✦
تصوّر القصيدة الشباب وهم يحملون مفاتيح العلم والطموح، لكنهم يقفون أمام أبواب غائبة وفرص مؤجلة. وتحوّل الشاعرة المفتاح إلى رمز للقدرة والإمكان، فيما يصبح الباب رمزًا للعمل والفرصة والمستقبل. ورغم مرارة الانتظار، تدعو القصيدة الشباب إلى صناعة أبوابهم بأيديهم، وتحويل الصبر والتعب والإيمان إلى طريق جديد يفتح أمامهم أفق الحياة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!