كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مطالب المرجعية العليا: رؤية وطنية لبناء الدولة والمواطنة

حين تُقرأ توجيهات المرجعية الدينية العليا في العراق بعيدًا عن التجزئة والانتقائية، يتضح أنها لا تتناول ملفات سياسية أو اقتصادية واجتماعية متفرقة فحسب، وإنما تقدم في مجموعها رؤية متكاملة لطبيعة الدولة التي ينبغي أن يعيش فيها المواطن العراقي: دولة تحكمها المؤسسات، وتصان فيها السيادة، وتُحترم فيها إرادة الشعب، وتُقاس فيها المسؤولية بالكفاءة والنزاهة، وتُدار فيها الثروة لخدمة المجتمع لا لخدمة الأشخاص أو الجماعات.

ومن هنا، فإن أهمية هذه التوجيهات لا تكمن في كونها مواقف مرتبطة بظرف سياسي معين، وإنما في كونها تؤكد بصورة متكررة على مجموعة من المبادئ التي تمثل، في جوهرها، شروط بناء الدولة الحديثة واستقرارها.

المواطن أولًا.. والانتخابات مسؤولية لا مجرد ورقة اقتراع

تنطلق الرؤية من الإنسان العراقي بوصفه طرفًا أساسيًا في عملية الإصلاح، ولذلك لم تكن الدعوة إلى المشاركة السياسية منفصلة عن الدعوة إلى حسن الاختيار.

فالانتخابات، وفق هذا المنظور، ليست مجرد إجراء دستوري ينتهي بوضع ورقة في صندوق الاقتراع، وإنما مسؤولية أخلاقية ووطنية تترتب عليها نتائج تمس حياة المجتمع بأكمله. ومن ثم فإن اختيار المرشح ينبغي أن يقوم على الكفاءة والنزاهة وحسن السيرة والقدرة على تحمل المسؤولية، لا على الانتماء الحزبي أو الطائفي أو العشائري أو العلاقات الشخصية.

وتتضاعف مسؤولية الناخب عندما يتعلق الأمر بإعادة اختيار شخص سبق أن تولى مسؤولية عامة؛ إذ ينبغي أن يكون معيار التقييم هو الأداء الفعلي والنتائج المتحققة، لا الشعارات الانتخابية ولا الوعود المتكررة.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكون مسؤولية السياسي وحده، لأن الناخب شريك في إنتاج السلطة عندما يمنح صوته لمن يراه مؤهلًا لتمثيله.

الاقتصاد.. لا دولة قوية باقتصاد ريعي

أما على المستوى الاقتصادي، فإن بناء الدولة لا يمكن أن يستمر مع اقتصاد يعتمد بصورة مفرطة على مصدر واحد للدخل.

إن معالجة الاختلالات الاقتصادية تتطلب الانتقال التدريجي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، عبر دعم الزراعة والصناعة وتشجيع الاستثمار وتطوير القطاع الخاص وخلق بيئة مناسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تحسين الإدارة المالية وترشيد الإنفاق العام.

وفي هذا السياق، يصبح التصدي للفساد المالي والإداري جزءًا من الإصلاح الاقتصادي وليس ملفًا منفصلًا عنه؛ لأن الأموال التي تُهدر أو تُختلس لا تمثل خسارة مالية فحسب، بل تعني أيضًا تعطيل مدرسة أو مستشفى أو مشروعًا إنتاجيًا أو فرصة عمل كان يمكن أن يستفيد منها المواطن.

كما أن حماية المنتج الوطني لا ينبغي أن تعني إغلاق الاقتصاد أمام العالم، وإنما بناء سياسة اقتصادية تحقق توازنًا بين الانفتاح التجاري وحماية القطاعات الإنتاجية العراقية القادرة على المنافسة.

والاقتصاد الوطني القوي ليس اقتصادًا يستهلك أكثر، وإنما اقتصاد ينتج أكثر، ويصدر أكثر، ويوفر فرص عمل مستدامة، ويقلل اعتماده على مورد واحد.

الخدمات العامة.. معيار الدولة في حياة المواطن

قد تبدو الكهرباء والماء والصحة والتعليم والخدمات البلدية ملفات خدمية يومية، لكنها في الحقيقة تمثل جوهر العلاقة بين المواطن والدولة.

فالدولة التي تنجح في بناء مؤسسات فعالة تستطيع أن تحول الموارد العامة إلى خدمات ملموسة، بينما يؤدي ضعف الإدارة والفساد وسوء التخطيط إلى اتساع الفجوة بين ما تمتلكه الدولة من موارد وما يحصل عليه المواطن من خدمات.

ولهذا فإن إصلاح الإدارة العامة ينبغي أن يسير بالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي، من خلال اعتماد الكفاءة، وتقييم الأداء، وتطوير المؤسسات، وربط الإنفاق بالنتائج، والاستفادة من البيانات والإحصاءات في صناعة القرار بدلًا من اعتماد التقديرات الانطباعية أو الحلول المؤقتة.

السيادة.. لا دولة مع تعدد مراكز القرار

في الجانب السيادي، تبدو المسألة أكثر ارتباطًا بجوهر الدولة نفسها.

فالدولة الحديثة تقوم على وحدة القرار السياسي والأمني، وعلى خضوع جميع القوى والمؤسسات للقانون والدستور، وعلى احتكار الدولة المشروع لأدوات القوة المسلحة.

ومن هذا المنطلق، فإن حصر السلاح بيد الدولة لا يمثل شعارًا سياسيًا عابرًا، بل قاعدة أساسية من قواعد بناء الدولة؛ لأن تعدد مراكز القوة والقرار يؤدي في النهاية إلى إضعاف المؤسسات الرسمية وتقويض ثقة المواطن بالدولة.

كما أن السيادة لا تعني فقط حماية الحدود، وإنما تشمل استقلال القرار السياسي والاقتصادي والأمني، وعدم تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية.

وفي الوقت نفسه، فإن السياسة الخارجية المتوازنة لا تقوم على العداء الدائم أو الانحياز الدائم، وإنما على المصالح الوطنية والاحترام المتبادل وعدم السماح لأي طرف خارجي بأن يفرض إرادته على القرار العراقي.

الدولة فوق الاصطفافات

إن واحدة من أهم القضايا التي تبرز في هذه الرؤية هي ضرورة الانتقال من مفهوم الجماعة إلى مفهوم المواطنة.

فالعراقي، في الدولة التي تقوم على المواطنة، لا ينبغي أن تكون قيمة حقوقه مرتبطة بانتمائه الطائفي أو القومي أو العشائري أو الحزبي، وإنما بكونه مواطنًا يتمتع بحقوق متساوية ويلتزم بواجبات متساوية.

وهذا لا يعني إلغاء التنوع العراقي، بل يعني تحويل التنوع من مصدر للتنافس والصراع إلى عنصر من عناصر القوة الوطنية.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تلغي اختلاف مواطنيها، وإنما الدولة التي تستطيع إدارة هذا الاختلاف ضمن إطار القانون والمؤسسات والمصلحة الوطنية المشتركة.

مكافحة الفساد.. شرط سابق على الإصلاح

ومن الصعب الحديث عن إصلاح اقتصادي أو إداري أو سياسي حقيقي من دون مواجهة الفساد بصورة مؤسسية.

فالفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يضرب الثقة بالمؤسسات، ويشوّه المنافسة الاقتصادية، ويضعف الاستثمار، ويشجع الكفاءات على الابتعاد عن مواقع المسؤولية، ويحوّل الوظيفة العامة من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.

ولهذا فإن مكافحة الفساد تحتاج إلى أكثر من الحملات الإعلامية؛ فهي تتطلب مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة وفعالة، وشفافية في العقود والإنفاق العام، ونظمًا حديثة للبيانات والتدقيق، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

من التوجيه إلى التطبيق

المشكلة الحقيقية ليست في غياب الأفكار والمبادئ، وإنما في الفجوة بين المبدأ والتطبيق.

فالعراق لا يعاني بالضرورة من نقص في التشخيص بقدر ما يعاني من ضعف في تحويل التشخيص إلى سياسات عامة مستدامة قابلة للقياس والتقييم.

ولهذا فإن الاستفادة من التوجيهات الوطنية ينبغي ألا تتوقف عند تداولها في المناسبات أو الاستشهاد بها في الخطاب السياسي، بل يجب أن تتحول إلى برامج وسياسات ومؤشرات أداء يمكن للمواطن أن يراقب نتائجها.

فعندما نتحدث عن مكافحة الفساد، ينبغي أن نسأل: ما حجم الأموال المستردة؟ وما عدد الملفات التي أُنجزت؟ وما أثر ذلك في الإنفاق العام؟

وعندما نتحدث عن تحسين الخدمات، ينبغي أن نسأل: هل تحسن نصيب المواطن من الكهرباء والماء والرعاية الصحية والتعليم؟ وهل تحسن مستوى الوصول إلى هذه الخدمات بين المحافظات والمناطق الحضرية والريفية؟

وعندما نتحدث عن الاقتصاد المنتج، ينبغي أن نسأل: هل ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي؟ وهل انخفضت البطالة؟ وهل زادت الصادرات غير النفطية؟

هذه الأسئلة تنقل الخطاب من مستوى الشعارات إلى مستوى الإدارة القائمة على الأدلة.

خلاصة

إن قراءة توجيهات المرجعية العليا بوصفها أجزاء منفصلة قد تحجب الصورة الأشمل؛ أما جمعها ضمن إطار واحد فيكشف عن رؤية تقوم على مرتكزات واضحة: مواطن واعٍ ومسؤول، وانتخابات تقوم على الاختيار الرشيد، ودولة مؤسسات، واقتصاد منتج، وخدمات عامة كفوءة، ومكافحة حقيقية للفساد، وسيادة وطنية، وسلاح تحت سلطة الدولة، وعلاقات خارجية متوازنة، وهوية وطنية جامعة.

وهذه المبادئ، في جوهرها، لا تخص حزبًا ولا طائفة ولا فئة اجتماعية بعينها، وإنما ترتبط بمصلحة الدولة العراقية والمجتمع العراقي كله.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في معرفة ما ينبغي فعله، بقدر ما يكمن في امتلاك الإرادة السياسية والمؤسسية لتحويل المبادئ إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى نتائج يمكن للمواطن أن يلمسها ويقيسها.

فالدولة لا تُبنى بالخطب وحدها، ولا بالانتخابات وحدها، ولا بالقوانين وحدها؛ وإنما تُبنى عندما تتحول القيم الوطنية إلى مؤسسات فعالة، وتتحول الموارد إلى تنمية، وتتحول المسؤولية إلى محاسبة، ويتحول المواطن من متلقٍ للخدمات إلى شريك واعٍ في صناعة مستقبل بلده.

وعندها فقط يصبح الحديث عن الدولة القوية والمواطنة والسيادة والعدالة الاجتماعية واقعًا ملموسًا، لا مجرد عناوين تتكرر في الخطابات.

✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال قراءة متماسكة لتوجيهات المرجعية الدينية العليا، بوصفها مشروعًا وطنيًا مترابطًا لبناء دولة المواطنة والمؤسسات والسيادة، لا مجرد مواقف ظرفية متفرقة. وتمثّل شمولية المحاور وترابطها بين السياسة والاقتصاد والخدمات والفساد أبرز نقاط قوته، ولا سيما انتقاله من عرض المبادئ إلى المطالبة بمؤشرات قابلة للقياس. وكان سيكتسب قوة توثيقية أكبر لو أُسندت محاوره إلى نماذج محددة من بيانات المرجعية وتواريخ صدورها. وفي مجمله، ينجح المقال في تأكيد أن قيمة التوجيهات لا تتحقق بترديدها، وإنما بتحويلها إلى سياسات ومؤسسات ونتائج يلمسها المواطن.

5213173223502061293.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!