كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين تصبح الضوضاء الصغيرة نعمة

نحن لا ندرك قيمة السكينة إلا بعد أن نعرف معنى القلق، ولا نشعر بعظمة الأيام العادية إلا حين نعبر أيامًا تمنينا فيها أن تعود الحياة إلى بساطتها.

لذلك، ربما يجدر بنا أحيانًا أن ننظر إلى ضيقنا اليومي من زاوية أخرى.

قد نضيق لأننا مللنا، أو لأن يومًا لم يسر كما أردنا، أو لأن مشكلة صغيرة أثقلت مزاجنا، أو لأن شيئًا عابرًا أفسد علينا ساعات من يومنا. وقد نظن أن هذه المشاعر تستحق كل هذا الانزعاج.

لكن ماذا لو تذكرنا الأيام التي كان فيها الضيق مختلفًا تمامًا؟

ماذا لو تذكرنا تلك الظروف التي أثقلت أرواحنا، والمخاوف التي عشناها، والأيام التي كنا نتساءل فيها: هل ستنتهي هذه المرحلة يومًا؟ هل سيأتي وقت نشعر فيه بالراحة من جديد؟

لقد جاءت تلك الأيام، ومضت.

ومرت ظروف كنا نظن، في أشد لحظاتها، أنها لن تمر أبدًا. ونجونا من أشياء ظننا أننا لن نستطيع تجاوزها، ثم وجدنا أنفسنا بعد مدة نعيش حياة أكثر هدوءًا، وننزعج من تفاصيل صغيرة كنا في الماضي نتمنى لو كانت هي أقصى ما يثقلنا.

وهنا ندرك أن حتى الضيق البسيط قد يكون نعمة.

أن تضيق لأنك مللت، خير من أن يكون الضيق جزءًا من واقع لا تعرف متى ينتهي. وأن تنزعج من مشكلة عابرة، نعمة حين تقارنها بأيام كان همّك فيها أكبر من أن تحتمله الكلمات.

لذلك، الحمد لله على السكينة التي قد لا ننتبه إليها لأنها أصبحت جزءًا من حياتنا.

الحمد لله على الأيام العادية، وعلى المشكلات التي نعرف في أعماقنا أنها ستمضي.

والحمد لله على أن بعض ما حسبناه يومًا نهاية الطريق، لم يكن إلا مرحلة وعبرت.

ثم إن في الحياة حقيقة أخرى تستحق أن نتذكرها دائمًا:

كل شيء يمر.

الظروف الصعبة التي نظن أنها لن تنتهي، تنتهي، كما انتهت قبلها ظروف ظننا الشيء نفسه بشأنها. والأيام الثقيلة، مهما امتدت، لا تملك وعدًا بالبقاء إلى الأبد.

لكن اللحظات الجميلة تمر أيضًا.

وهنا تكمن المفارقة التي كثيرًا ما نغفل عنها: نحن نخشى أن تمر اللحظات الصعبة، وننسى أن اللحظات السعيدة عابرة كذلك.

لذلك لا ينبغي أن نمنح الحزن أكثر مما يستحق، ولا أن نسمح للظرف الصعب أن يسرق منا اللحظة التي نعيشها الآن. فالصعب سيمضي على أي حال، أما اللحظة الجميلة التي نملكها اليوم، فقد لا تعود بالصورة نفسها مرة أخرى.

فلنفرح حين يكون في حياتنا ما يستحق الفرح، ولنحمد الله حين تهدأ أيامنا، ولننتبه إلى النعم التي تبدو لنا عادية لمجرد أننا اعتدنا وجودها.

فربما تكون الحياة التي نعيشها اليوم، بكل بساطتها، هي الحياة التي تمنيناها يومًا ونحن في قلب العاصفة.

كل شيء يمر؛ فدعوا الأيام الصعبة تمر دون أن تأخذ معها قدرتكم على الفرح، وعيشوا اللحظات الجميلة قبل أن تتحول هي الأخرى إلى ذكرى.

✦ كتابات في الميزان ✦

يلتقط النص معنى إنسانيًا نغفل عنه كثيرًا؛ فالأيام الهادئة التي تبدو عادية قد تكون أمنية قديمة تحققت بعد عبور محنة قاسية. وهو يدعونا إلى إعادة تقدير ضيقنا العابر، من دون إنكار مشاعرنا، واستحضار قدرتنا السابقة على تجاوز ما كان أشد منه. وبين حقيقة أن كل شيء يمر، يذكّرنا النص بألا نؤجل الفرح أو نسمح للأيام الصعبة بأن تحجب عنا النعم الحاضرة.

تامل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!