كيف يمكن للإنسان أن يتغيّر إلى الحد الذي ينظر فيه إلى نفسه يومًا، فلا يكاد يعرفها؟
الانحراف يبدأ بخطوة
الأخطر في الانحراف أنه لا يأتي دائمًا في صورة سقوط مدوٍّ؛ فكثيرًا ما يبدأ بأمر صغير لا نراه جديرًا بالقلق: ذنب نستهين به، أو تنازل نبرّره، أو شهوة نمنحها مساحة أكبر مما تستحق، ثم تتكرر الخطوة حتى يصبح ما كان مستنكرًا بالأمس مألوفًا اليوم.
ولهذا لم يقل القرآن: لا تطيعوا الشيطان فحسب، بل قال:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
فالخطر ليس في الخطوة وحدها، بل في الطريق الذي تصنعه الخطوات.
الشيطان لا يحتاج إلى أن يدعو المؤمن منذ البداية إلى أعظم المعاصي؛ لأنه يعلم أن النفس المؤمنة سترفضها، لكنه يبحث عن ثغراتها: عن ذنب صغير، وهوى خفي، وغرور بالعلم أو العبادة، وتبرير يبدو بسيطًا في لحظته.
ثم تأتي الخطوة التي تليها.
وهكذا قد لا يشعر الإنسان بأنه يتراجع؛ لأنه لا يرى أمامه سقوطًا، وإنما يرى سلسلة من التنازلات الصغيرة، تبدو كل واحدة منها محتملة بمفردها. لكن الإنسان لا يتشكّل من القرارات الكبيرة وحدها، بل من الأشياء التي يكررها حتى تصبح جزءًا من شخصيته.
حين تتراكم أمراض النفس
لهذا، فإن قصص الانقلاب الفكري والأخلاقي في تاريخنا ليست مجرد حكايات عن أشخاص بعيدين عنا، بل إنذار للإنسان بشأن نفسه.
يكفي أن نتأمل في حال أبي جعفر محمد بن علي الشلمغاني، الذي كان في بدايته من أصحاب العلم والمكانة، ثم انتهى إلى انحراف شديد، حتى صدر توقيع منسوب إلى الإمام المهدي، عليه السلام، بلعنه والبراءة منه. إن المسافة بين البدايات والنهايات قد تبدو هائلة، لكن الإنسان لا يقطعها في يوم واحد.
إنها الأمراض الأخلاقية حين تُترك بلا علاج: الغرور حين لا يُقاوم، والهوى حين يُتبع، وحب الظهور حين يُغذّى، والشبهة حين يُستهان بها، والذنب حين يفقد قبحه في القلب.
وقد يكون الإنسان شديد الالتزام، ثم يبدأ بالتساهل في أمر كان يراه من قبل خطًا لا يتجاوزه. وقد يكون واسع الاطلاع، فيدخل في نقاش وهو واثق بقدرته على مواجهة الشبهات، ثم يجد نفسه مأخوذًا بها. والمشكلة هنا ليست في العلم وحده، ولا في النقاش وحده، وإنما في النفس التي لم تعد تراقب ما يحدث داخلها.
لا تطمئن إلى حالك
لهذا، لا ينبغي للإنسان أن يطمئن إلى حاله الحالية، مهما بلغ من العبادة أو العلم أو الاستقامة.
فالخوف على النفس ليس ضعفًا في الإيمان، بل قد يكون من علامات الوعي بهشاشتها.
أن تسأل نفسك كل يوم:
ماذا تغيّر في قلبي؟
أي ذنب بدأت أراه صغيرًا؟
أي أمر كنت أستحي منه، ثم أصبحت أبرّره؟
وأي شيء كنت أنكره بالأمس، ثم بدأت اليوم تبحث له عن الأعذار؟
راقب نفسك قبل أن تضطر يومًا إلى البحث عن الشخص الذي كنت عليه.
فبعض الانحدارات لا تبدأ بسقوط واضح، بل تبدأ حين يتوقف الإنسان عن الخوف من السقوط.
❖ كتابات في الميزان ❖
يتناول المقال آلية الانحراف التدريجي بوصفها سلسلة من التنازلات الصغيرة التي تغيّر هوية الإنسان من دون أن يشعر. ويتميز بربط المعنى القرآني لـ«خطوات الشيطان» بمراقبة النفس ومقاومة الغرور والهوى والتساهل الأخلاقي. كما يحوّل النموذج التاريخي إلى إنذار تربوي معاصر، وينتهي إلى خلاصة مؤثرة مؤداها أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد الإنسان خوفه الواعي من السقوط.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!