تمثل الفكرة المدنية في أصلها الفلسفي والسياسي توجهاً إنسانياً يسعى إلى تنظيم المجتمع على أسس عقلانية وقانونية، بعيداً عن الانتماءات الضيقة والأيديولوجيات الإقصائية.
وتستند هذه الفكرة إلى الإيمان المطلق بالسلمية كوسيلة وحيدة للتغيير وتداول السلطة، رافضةً كل أشكال التطرف والعنف الهيكلي أو المادي.
فالأحزاب المدنية تنطلق من مبدأ أن الوطن يتسع للجميع، وأن التنوع الثقافي والاجتماعي مصدر قوة وليس مبرراً للاقتتال أو التقسيم.
هذا الطرح يضمن حماية الحقوق والحريات الفردية والعامة، ويجعل من الكفاءة والمواطنة المعيارين الوحيدين لتوزيع المسؤوليات وإدارة الشأن العام، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة.
ولفهم هذا الخيار بشكل دقيق، من الضروري التمييز بين مفهومي "المدنية" و"العلمانية"، إذ يخلط الكثيرون بينهما في النقاشات العامة.
تعني "المدنية" دولة المؤسسات والقانون والمواطنة المشتركة، حيث يخضع الجميع لدستور وضعي يحمي الحقوق دون تمييز، وتكون السلطة فيها مدنية خاضعة للمساءلة والمراقبة الشعبية وليست عسكرية أو دينية ثيوقراطية. أما "العلمانية"، فهي مبدأ فكري وسياسي يركز على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة وسلطاتها التنفيذية والتشريعية، لضمان حياد الدولة تجاه جميع الأديان والمذاهب، وحماية حرية الضمير والاعتقاد.
ويكمن الاختلاف الجوهري في أن المدنية تركز على طبيعة إدارة الدولة وعلاقة المواطن بالمؤسسات والقانون، بينما تعنى العلمانية بتحديد المساحة الفاصلة بين السياسي والمقدس؛ وعليه، يمكن للدولة أن تكون مدنية تلتزم بالعدالة والمواطنة، دون أن تتبنى بالضرورة نظاماً علمانياً راديكالياً يلغي المظاهر الدينية من الفضاء العام.
وعند النظر إلى الواقع السياسي المعاصر، نجد أن أداء الأحزاب التقليدية—القومية، والدينية، والطائفية، والمناطقية، والقبلية—منذ عام 2003 وحتى اليوم، قد أثبت عقم مخرجاتها البنيوية.
فمنذ سقوط النظام السابق، هيمنت منظومة المحاصصة العرقية والطائفية على مفاصل الدولة العراقية. هذا النموذج القائم على تقسيم الغنائم والمناصب بين كتل تمثل هويات فرعية أدى إلى تفتيت الهوية الوطنية الجامعة.
وتحولت الوزارات والمؤسسات الرسمية إلى إقطاعيات حزبية تخدم مصالح ضيقة، مما تسبب في استشراء الفساد الإداري والمالي، وتراجع قطاع الخدمات الأساسية، وتدهور البنى التحتية والاقتصادية.
كما أن ارتهان هذه الأحزاب لأيديولوجياتها الإقصائية وولاءاتها الفرعية تسبب في تغذية الأزمات الأمنية والنزاعات الأهلية، مما جعل من الدولة كياناً عاجزاً عن فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، وهو ما يبرهن على أن استمرار هذا النهج يهدد وجود الدولة ذاته.وبالعودة إلى الجذور التاريخية للحياة الحزبية في العراق، فإن العمل التنظيمي بمعناه الحقيقي يعود إلى أواخر العهد العثماني وبدايات التأسيس الملكي.
فإذا أردنا تتبع أول حزب بالمعنى الحقيقي المعاصر، نجد أن التجمعات والجمعيات السرية مثل "جمعية العهد" التي تأسست عام 1913 من قبل ضباط عراقيين في الجيش العثماني، كانت تمثل النواة الأولى للعمل السياسي المنظم المطالب بالاستقلال والإدارة الذاتية.
وبعد تأسيس الدولة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول عام 1921، ظهرت الأحزاب العلنية المجازة رسمياً؛ ويُعد "الحزب الوطني العراقي" الذي أسسه وقاده الشخصية الوطنية محمد جعفر أبو التمن في أغسطس 1922، أول حزب سياسي حقيقي منظم يمتلك برنامجاً وطنياً واضحاً يركز على الاستقلال التام وبناء مؤسسات الدولة.
أما فيما يتعلق بأول حزب مدني بالمعنى الفكري والاجتماعي الحديث، فتبرز هنا "جماعة الأهالي" التي تشكلت في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين (والتي تحولت لاحقاً إلى حزب تيار وطني مدني يُعرف بالحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي).
تميزت هذه الجماعة بتقديم خطاب مدني إصلاحي يبتعد عن التعصب القومي أو الديني، ويركز على الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني.
هذا الإرث التاريخي يؤكد أن الفكرة المدنية والوطنية ليست نبتة غريبة على التربة العراقية، بل هي امتداد لتاريخ طويل من النضال الواعي الذي سعى دوماً إلى بناء دولة المواطن والقانون، مما يجعل إعادة إحياء الأحزاب المدنية اليوم ضرورة وطنية قصوى وخياراً حتمياً لتصحيح المسار السياسي وبناء مستقبل مستقر.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال دفاعاً واضحاً عن الدولة المدنية بوصفها دولة مواطنة ومؤسسات، ويزيل جانباً من الالتباس الشائع بينها وبين العلمانية. غير أن تعثّر أحزاب الهويات لا يعني تلقائياً صعود البديل المدني؛ فهذا البديل يحتاج إلى تنظيم راسخ، وبرنامج واقعي، وقاعدة اجتماعية تتجاوز النخب والشعارات. وتكمن أهمية المقال في ربط المشروع المدني بجذوره العراقية، مؤكداً أنه ليس فكرة مستوردة، بل مسار وطني تعطّل مراراً ولم يفقد ضرورته.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!