حادثة تحتاج إلى التثبت
ترددت كثيرًا حادثة بيع لحم الخنزير في الكوفة، وقد اعتُبر الخبر مادة دسمة لغايات سيئة. وهنا ليست هذه هي الحادثة الأولى وطريقة التعامل الإعلامي معها، وحقيقةُ هكذا تصرف بحاجة إلى تعرّف.
بدايةً، هكذا عمل دنيء يصدر عن إنسان بلا ضمير، وليس حصرًا بمحافظة أو بلد دون آخر. لكنني أشك في تفاصيل الخبر؛ وهنا قد يكون الخبر كاذبًا، وقد لا يكون بهذا التهويل، وقد يكون صادقًا، وعندما يكون صادقًا يكون التعامل التهريجي معه لغاية سيئة.
لماذا تُضخّم أخبار النجف؟
طبعًا، قبل هذا بسنة أو سنتين مثلًا، استمعت إلى عشرات الآلاف من الأسماء الوهمية في الرعاية الاجتماعية للنجف، وسمعت عن مثلها من الأسماء الوهمية في البطاقة التموينية، تستلم حصة كاملة في النجف الأشرف، وحادثة ابن محافظ النجف، الياسري، في وقتها سنة 2018، والاتجار بالمخدرات.
هذه الأخبار أيضًا حدثت، لكنها هُوّلت وغُوّلت بشكل لو وقعت في محافظة أخرى لما تعامل الإعلام معها هكذا. وأعود لأسأل: هل لأنها النجف الأشرف؟ الجواب: نعم.
النجف مدينة العلم والمرجعية
النجف الأشرف يأتي إليها طالب علم فقير من شتى أصقاع الأرض، ليعيش الفقر والجوع ويتعلم. ولماذا يتعلم في النجف؟ لوجود مكتبات ورجالات يقدمون العلم لمن يريده.
ولماذا توجد المكتبات والرجالات في النجف الأشرف؟ ببساطة، لأنها أرض أمير المؤمنين عليه السلام، وإلا فلماذا لا يؤسسون مكتبات لها رواد في أماكن أخرى؟
وهنا، هذا الفقير الذي يأتي إلى النجف لكي يدرس، ثم يُدرّس، ثم يصبح المؤثر في الرأي الإسلامي، وبضمنه السياسي، وتكون له اليد العليا في الرأي العام العراقي، وحتى الإسلامي.
محاولات احتواء النجف
والمواقف التي كان للنجف الصوت الأعلى في اتخاذها كثيرة، مما جعل الدولة العثمانية، وبعدها الإنكليز، ومن ثم الحكومات التي نصّبتها المخابرات الأجنبية، تجعل هدفها احتواء النجف.
وذكرت ذلك نصًا «مس بيل» في مذكراتها، التي كانت تحاول أن تجعل من النجف كالفاتيكان، الذي قالت عنه إن أي قسيس في الفاتيكان رجل سخيف وتحت إرادتها.
أتذكر، من خلال قراءتي للوضع العراقي، أنها، أي بيل، حاولت وتوسطت بشتى الوسائل للالتقاء بالسيد حسن الصدر في الكاظمية. وقد توسط لها الشيخ كاظم الدجيلي، وبحسن النية، مقنعًا السيد الصدر، على أقل تقدير، أن يوصل صوت الشيعة إلى الإنكليز.
وبعد اللقاء خرجت لتكذب وتدّعي ما لم يجر بينها وبين السيد الصدر، وقد تألم السيد لهذا التصرف.
الخارج عن القانون لا يمثل المدينة
ومن هذا المنطلق، فماذا يعني إذا كان هنالك مواطن خارج عن القانون والشرع في النجف؟
القناة العراقية نفسها بثت خبرًا أن معلم قرآن للصبيان، في محافظة لا أذكر اسمها، راود الصبيان لأجل أعمال دنيئة. فهل هذا القذر يمثل محافظة؟ كلا، لكن الإعلام لم يشمّر عن ذراعيه للتهريج بهذا الخبر.
وأسفي وعتبي على من يتابع ويعلّق ويشارك هكذا تهريجات لغايات سيئة، ولا يعلم أنه يطعن نفسه. وليعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
فبركات تستهدف مرجعية النجف
وما فبركات الإعلام من أخبار تخص مرجعية النجف ببعيدة عنكم، وأغلبها لم ترد عليها المرجعية لعلمها بتفاهتها، وإن كانت قد ردّت على القلة منها.
وحسنًا فعلت، ولم تقع في المأزق الذي وقع فيه السيد حسن الصدر؛ فرفض السيد السيستاني استقبال بريمر، وحتى نائبه، بل لم يسمح له حتى بالجلوس في البرّاني.
مهما فعلتم، تبقى النجف مدينة الإمام علي، ومدينة المرجعية، ومدينة الحوزة العلمية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال التناول الإعلامي لحادثة بيع لحوم الخنازير في الكوفة، ويرى أن بعض المنصات تستثمر أخطاء الأفراد للإساءة إلى رمزية النجف الدينية والعلمية. ويميّز الكاتب بين إدانة الفعل المخالف وبين تحميل مدينة كاملة مسؤوليته، مستعرضًا محاولات تاريخية لاحتواء تأثير النجف ومرجعيتها. ويخلص إلى أن أفعال الخارجين عن القانون لا تمثل هوية المدينة ولا مكانتها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!