ليست كل ابتسامة دليلًا على المحبة، ولا كل عبارة دبلوماسية تعكس بالضرورة صدق المشاعر؛ ففي العلاقات الدولية، تتبادل الدول عبارات الصداقة والاحترام، وتوقّع الاتفاقيات، وتعلن تمسكها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان والسلام، غير أن لحظة الاختبار كثيرًا ما تكشف ما تخفيه لغة المجاملات، وتُظهر أن المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية قد تكون أقوى من عبارات التضامن والتحالف.
من هنا تبرز ضرورة التمييز بين الدبلوماسية المشروعة والنفاق السياسي؛ فالدبلوماسية تقوم على الحوار والتفاوض والمرونة، وتسعى إلى حماية المصالح الوطنية وتجنب الصراع، وهي ليست خداعًا في ذاتها. لكن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الخطاب عن السلوك، وتتحول عبارات الصداقة والتضامن إلى أدوات لكسب الوقت أو تحقيق مكاسب سياسية، ثم تتغير المواقف عندما تتبدل موازين القوى والمصالح.
التحالفات... تُختبر عند تعارض المصالح
من أبرز الدروس التي تكشف حدود التحالفات ما جرى في شمال سورية عام 2019، عندما اعتمدت الولايات المتحدة على قوات سورية الديمقراطية «قسد» شريكًا رئيسيًا في مواجهة تنظيم داعش، ثم قررت سحب قواتها من مواقع في شمال شرقي سورية قبيل الهجوم التركي. وقد ترك ذلك القوات الكردية أمام واقع عسكري وسياسي جديد دفعها إلى البحث عن ترتيبات أخرى لحماية مناطقها ومصالحها.
ثم ما حصل لها بعد التغيير الذي حدث في سورية عام 2025، وما أعقبه من تطورات في عام 2026 والتخلي النهائي عنها، وما حصل من تطور عندما حلّت نفسها نهائيًا، وانتهى موضوع انفصالها واندماجها مع الدولة السورية الجديدة.
والدرس ذاته ظهر بصورة أكثر وضوحًا في أفغانستان؛ فقد دعمت الولايات المتحدة الحكومة والقوات الأفغانية سنوات طويلة، وأنفقت مليارات الدولارات على بناء المؤسسات والقوات الأمنية، لكن الانسحاب الأميركي في آب 2021 أعقبه انهيار سريع للحكومة الأفغانية ودخول طالبان إلى كابول.
مجلس الأمن... عندما تتقدم الحسابات على الشعارات
في مجلس الأمن الدولي، حيث يُفترض أن تتقدم مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين، تتداخل الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية. فالامتناع عن التصويت ليس بالضرورة موقفًا غير مشروع، والتصويت ضد مشروع قرار لا يعني دائمًا رفض العدالة، لكن مواقف الدول، ولا سيما الدول الكبرى، تتأثر، في كثير من الأحيان، بتحالفاتها ومصالحها وحساباتها الاستراتيجية.
لقد شهد مجلس الأمن، عبر تاريخه، نماذج عديدة لاستخدام التصويت أو الامتناع أو حق النقض بما ينسجم مع رؤية الدول ومصالحها. ففي أزمة الخليج عامي 1990 و1991، صدرت سلسلة من القرارات المتعلقة بالعراق والكويت، وحظيت قرارات مهمة بتأييد واسع، فيما شهدت قرارات أخرى مواقف متباينة بين أعضاء المجلس طبقًا لمصالحها، حتى بعيدًا عن الاتفاقيات الموقعة مع العراق.
الخليج وإيران... الأمن لا يُبنى على حليف واحد
في أزمات المنطقة الحالية، تتضح هذه الحقيقة بصورة أكبر؛ فالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يرتبط بها من مخاطر في الخليج ومضيق هرمز، فضلًا عن انعكاساتها على البحر الأحمر وباب المندب، تضع دول المنطقة أمام حقيقة مهمة: الاعتماد الكامل على قوة خارجية لا يمثل ضمانة مطلقة في كل الظروف.
فالولايات المتحدة تمتلك قواعد عسكرية وقدرات بحرية وجوية وأنظمة دفاع متقدمة، لكنها، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع التحكم وحدها في كل نتائج الحروب والأزمات. وعندما تتسع دائرة الصراع، لا تبقى آثاره محصورة في ميادين القتال، بل تمتد إلى الطاقة والتجارة والملاحة والاقتصاد العالمي.
ولهذا، فإن الحكمة السياسية لا تكمن في معاداة الحلفاء، كما لا تكمن في الارتهان لهم، وإنما في بناء علاقات متوازنة ومتعددة، تحفظ للدولة مصالحها واستقلال قرارها، وتمنحها القدرة على المناورة عندما تتغير الظروف.
لا تثق بالابتسامة وحدها
ليست كل ابتسامة نفاقًا، ولا كل مجاملة خداعًا، ولا كل دبلوماسية مؤامرة؛ فالحوار ضرورة، والمفاوضات ضرورة، وحتى الخصوم يحتاجون إلى قنوات مفتوحة تمنع سوء الفهم وتحد من احتمالات الصراع.
لكن الخطأ هو أن نخلط بين الابتسامة الدبلوماسية والضمانة السياسية، وبين الصداقة المعلنة والالتزام الحقيقي. فالدولة التي تريد حماية مصالحها لا ينبغي أن تعادي الجميع، لكنها، في الوقت نفسه، لا ينبغي أن تسلّم قرارها إلى حليف واحد، بل عليها أن تنفتح على الجميع، وتبني علاقات متوازنة، وتحتفظ باستقلال قرارها الوطني.
ساعة الاختبار
في النهاية، قد تتغير التحالفات، وتتبدل المصالح، وموازين القوى لا تبقى ثابتة. وما يبدو اليوم صداقة راسخة قد يصبح غدًا مجرد تفاهم تفرضه الظروف.
فالابتسامة في العلاقات الدولية قد تكون صادقة، أو تكون دبلوماسية، أو تكون جزءًا من لعبة المصالح؛ لكن الحقيقة لا تكشفها الابتسامة، ولا العبارات الجميلة، ولا الصور المشتركة، وإنما تكشفها ساعة الاختبار. وعندها فقط نعرف مَن كان صديقًا، ومَن كان حليفًا، ومَن كان يبحث عن مصلحته تحت مظلة الدبلوماسية.
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال الفارق بين الدبلوماسية بوصفها وسيلة مشروعة لإدارة العلاقات، والنفاق السياسي الذي يفصل الأقوال عن المواقف الفعلية. ويستند إلى نماذج من سورية وأفغانستان ومجلس الأمن والخليج لإظهار أن التحالفات تخضع في النهاية لحسابات المصالح وموازين القوى. ويخلص إلى أن حماية الدولة لا تتحقق بالارتهان إلى حليف واحد، بل بتنويع العلاقات والحفاظ على استقلال القرار الوطني.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!