لماذا كل هذه الدهشة من اعتقال إعلامي بتهمة الابتزاز؟
الأكثر إثارة للدهشة أن بعضنا ما زال يعتقد أن ما جرى استثناء، بينما الحقيقة أن الفساد تسلل إلى أجزاء من المشهد الإعلامي حتى صار، عند البعض، مهنةً موازية للمهنة:
ملفات لا تُنشر، بل يُساوَم بها.
مسؤولون لا يُنتقدون، بل تُلمَّع صورتهم.
مقدم برامج يهاجم هذا اليوم، ويمدح ذاك؛ لأنه دفع أكثر.
غرباء في سوق الإعلام
ولست هنا لألقي التهمة على الجميع؛ ففي الإعلام رجال ونساء ما زالوا يدفعون ثمن الكلمة، ويؤمنون بأن الصحافة موقف قبل أن تكون وظيفة. لكن هؤلاء، للأسف، أصبحوا في كثير من الأحيان غرباء في سوق لا يكافئ النزاهة كما يكافئ العلاقات.
المشكلة أن بعضهم لم يعد يخجل.
ثراء يثير الأسئلة
عندما كنت مدير برامج في إحدى الفضائيات، جاء رجل لا يجيد القراءة والكتابة، وعمل مشغّلًا لمولدة القناة. ثم، بعد سنوات قليلة، أصبح مديرًا لإحدى الفضائيات، وتغيّرت حياته بالكامل: سيارات، وعقارات، وشركات، وسفر، وعلاقات لا تنتهي مع أصحاب القرار.
وشاءت الأقدار أن نلتقي، وعندما سألته عن سبب هذا الثراء الفاحش، انزعج وهز يده وانصرف غاضبًا.
ليست المشكلة في أن ينجح الإعلامي أو أن يصبح ثريًا. المشكلة أن تتحول المهنة إلى باب للثراء غير المبرر، وأن يصبح القرب من المسؤولين مصدرًا للقوة، وأن تتحول الملفات والفضائح من أدوات لكشف الفساد إلى أوراق ضغط في جيوب أصحاب النفوذ.
وهنا تبدأ الكارثة.
شريك في الفساد
فالإعلامي الذي يعرف فساد مسؤول، ثم يسكت مقابل منفعة، ليس أقل خطرًا من المسؤول الفاسد نفسه. والذي يهدد شخصًا بنشر ملف، ثم يتراجع عندما تُدفع له المنفعة، لم يعد يمارس إعلامًا؛ إنه يمارس شيئًا آخر، مهما حاول أن يجمّله بالألقاب والشهادات والظهور على الشاشات.
والأكثر ألمًا أن الجمهور يرى كل ذلك.
يرى الفاسد يتصدر المشهد، ويرى مَن يلمّعه يصبح نجمًا، ويرى المهني الحقيقي يكافح من أجل مساحة صغيرة، ثم نطلب منه أن يصدق أن الأمور بخير!
لا، ليست بخير.
القبح حين يصبح مألوفًا
لذلك، لا أتفاجأ من اعتقال مبتز، ولا أتفاجأ من سقوط إعلامي تورط في جريمة. الذي يستحق المفاجأة حقًا هو أن نكتشف، بعد كل هذه السنوات، أن هناك ابتزازًا داخل الإعلام!
وربما هذه هي المشكلة الأكبر: أن يتحول القبح، مع كثرة تكراره، إلى شيء مألوف؛ وأن يصبح الفساد «عملًا»، والابتزاز عملًا، والتلميع عملًا، ثم يأتي أحدهم ليسأل باستغراب: لماذا سقط الإعلام؟
حين يسقط الإعلام
الإعلام يسقط يوم يصبح المبتز نموذجًا للنجاح، ويصبح الشريف هو الشخص الذي يُقال عنه: «مسكين... ما يعرف من أين تُؤكل الكتف».
وهنا، تحديدًا، يجب أن نخاف.
❖ كتابات في الميزان ❖
يكشف المقال جانبًا مظلمًا من المشهد الإعلامي، يتمثل في تحويل الملفات والفضائح من أدوات لمحاسبة الفاسدين إلى وسائل للابتزاز وتحقيق المنافع. ويميز الكاتب بين الإعلاميين المهنيين الذين يدفعون ثمن مواقفهم، وبين مَن استغلوا المهنة لبناء الثروة والنفوذ. ويخلص إلى أن الخطر الأكبر يبدأ حين يصبح الفساد مألوفًا، ويُقدَّم المبتز بوصفه نموذجًا للنجاح، بينما يُهمَّش الإعلامي النزيه.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!