كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

فاطمة الزهراء (ع) .. باب من أبواب الله

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
لا تستطيع كل أبجديات العالم الأرضي أن تكتب عن شخص الزهراء (ع) الذي تكوّن شخصها في العالم السماوي ؟ .. ولا أعرف كيف يستطيع كلام المحدود ، أن يلّم بجانب واحد فقط من جوانب الزهراء (ع) اللامحدود ؟. 
إذن لا تلمني سيدتي ومولاتي إن دوّنت هذه الكلمات بحقها ، وهي التي كانت روح محمد (ص) عندما قال أكثر من مرة وفي مواطن متعددة : فاطمة روحي التي بين جنبيّ .. فكيف يجرؤ قلمي على الكتابة عنها (ع) وقد أُبتلي بأثقال الأرض وأصبح من أهلها ؟.
السيدة فاطمة الزهراء (ع) في عقيدتنا باب من أبواب الله .. بابٌ للعلم والمعرفة والإيمان والتوفيق والسعادة والمغفرة والرحمة والشفاعة والسعادة والسرور والنجاح والفلاح ، وهي بالأخير باب من أبواب الجنة .
فلماذا يقلق البعض ويرتاب من إحياء شهادة الزهراء (ع) وذكر مظلوميتها ومصيبتها وسلب حقوقها ؟ .
وفي عقيدتي أن عدم التطرق لشخصية فاطمة الزهراء (ع) يعتبر ظلماً لها وبحقها .. لأننا خسرنا الكثير بتغييب شخصية الزهراء (ع) .. فلقد فَقَدت المرأة أهم قدوة وأُنموذج للاقتداء لبناء الأسرة والمجتمع والأمة. 
وعلى المؤمنين الركون إلى المسيرة الفاطمية والوقوف بكل حزم لتعرية رموز الضلالة والتحريف وفضح نواياهم المسمومة .
فالتاريخ ليس مجرد سرد للحوادث وإنما نتوخى منه صياغة الذوق العقائدي ونشر المبادئ الحقة وتأييدها كما أنه موضوع للمواقف الفقهية .
ففي زيارة فاطمة الزهراء (ع) يوم الأحد بروايةِ مَنْ شاهد صاحِب الزّمان (عج) وَهُوَ يزُورها بها في اليقظة لا في المنام : (السَّلامُ عَلَيْكِ يا مُمْتَحَنَةُ ، إِمْتَحَنَكِ الَّذِي خَلَقَكِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكِ ، وَكُنْتِ لِما امْتَحَنَكِ بِهِ صابِرَةً ، وَنَحْنُ لَكِ أَوْلِياء مُصَدِّقُونَ ، وَلِكُّلِ ما أَتى بِهِ أَبُوكِ صلّى الله عليه وآله ، وَأَتى بِهِ وَصِيُّهُ عليه السلام مُسَلِّمُونَ ، وَنَحْنُ نَسأَلُكَ اللّهُمَّ إِذْ كُنّا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ ، أَنْ تُلْحِقَنا بِتَصْدِيقِنا بِالدَّرَجَةِ العالِيَةِ ، لِنُبَشِّرَ أَنْفُسَنا بِأَنّا قَدْ طَهُرْنا بِوَلايَتِهِمْ عليهم السلام) .
ويتساءل البعض من الذين يستنكرون قَدر فاطمة الزهراء (ع) ومحِلها عند الله سبحانه فيقول : كيف يتأتى ذلك الامتحان قبل خلقها مع تكليفها بعد خلقها ؟ .
والجواب كما قاله أحد العلماء : إن عطاء المَلكات العليا لفاطمة الزهراء (ع) يرجع إلى إختيارها ضمن القانون الإلهي في إعطاء كلُ مستحق بمقدار إستعداده كما يقول سبحانه (أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا) الرعد : 17 ، (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) الزخرف : 11 ، فعطاؤه سبحانه وفق علمه الأزلي وقبل أن يخلق الخلق لقوله سبحانه  (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) الدخان : 32 ، ما سيكون عليه البررة من خلقه . وعلمه سبحانه سابقٌ على وجود المعلوم ، والمعلوم تابعٌ لعلمه سبحانه .. وإلا لو فرضنا أن علمه سبحانه يتوقف على وجود المعلوم لكان نقصاً فيه تعالى ، فيعني ذلك أن يكون جهة إحتياج علمه سبحانه لوجود المعلوم .. وهو باطل قطعاً ، سبحان الله عما يصفون .
فإذا اتضح ما تقدم صار لزوماً تعلّق مشيئته تعالى مسبوق بعلمه سبحانه بان فاطمة الزهراء (ع) تمتاز بطاعتها وتسليمها ، لذا جعل رضاها رضاه سبحانه متوقف على رضاها (ع) بصريح قول النبي الأعظم (ص) : (يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها) .
إذن فإن فاطمة الزهراء (ع) حازت قصب السبق في محبة الله سبحانه ومحبة الرسول (ص) فيكون رضاها رضا الله سبحانه ورضا الرسول (ص) ، وغضبها غضب الله سبحانه وغضب رسوله (ص) .
والحقيقة إن الوقوف على بعض عبارات تلك الزيارة يُعرف منه مدى إستعداد الصديّقة الكبرى (ع) وقابلياتها ، وهي صعبة عند بعض المشككين لأنه لم يتذوق حلاوة معرفتها أو يشمّ نسيم تلكم المعاني العقائدية ، ولو تأمل أي شخص عنده فُضلة من علم وعقل فإنه سوف يقطع بأن باب الأدعية والزيارات ليس محله عنوان (دقة السند) أو (الجزم بصحة الصدور) ، وإنما يكفيه إستقصاء القرائن من القرآن الحكيم والأخبار القطعيّة والأدلة العقلية الكاشفة .
ومن الطرق المعتبرة ما رواه محمد بن مسلم قال : (سمعت أبا جعفر (ع) يقول : لفاطمة (ع) وقفة على باب جهنم ، فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كل رجل : مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محباً فتقول : إلهي وسيدي سمّيتني فاطمة وفطمت بي من تولاني وذريتي من النار ووعدك الحق وأنت لا تخلف الميعاد ، فيقول الله عز وجل : صدقتِ يا فاطمة إني سميتك فاطمة وفطمت بك من أحبك وتولاك وأحب ذريتك وتولاهم من النار ووعدي الحق وأنا لا أخلف الميعاد ، وإنما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفّعك وليتبين لملائكتي وأنبيائي ورسلي وأهل الموقف موقفك مني ومكانتك عندي فمن قرأتِ بين عينيه مؤمناً فخذي بيده وأدخليه الجنة) .
ولماذا نستكثر على الله تبارك وتعالى أن يعطي من غير استحقاق إكراماً لأكمل عباده ولتعريف الخلائق بقرب منزلة الزهراء (ع) منه تبارك وتعالى ، والله تعالى متفضّل منّان يبتدئ بالنعم من غير استحقاق . نَعم فإن المُنافي لعدله أن يعاقب من غير ذنب ، أما أن يتفضّل بالعطاء من غير استحقاق فهذا مناسبٌ لكرمه .
ونضرب مثلاً على ذلك ، فإن في بعض برامج المسابقات التي تظهر على الفضائيات وإعطاء الجوائز للفائزين ، وأحياناً تريد إدارة القناة إعطاء الجوائز بأي شكل كالترويج لها أو لمساعدة الناس ، فتسأل الشخص سؤالاً ما فلا يجيب فتبسّط له السؤال فلا يجيب ، إلى أن تسأله : ما اسمك ؟ وهو يعرفه قطعاً فإذا أجاب هلّلوا له فرحاً واعتبروه فائزاً وأعطوه الجائزة .. وهكذا تكون جائزة الزهراء البتول (ع) للخالق سبحانه أمام الخلق .
وأقولها صريحة : فما طاب العيش ، وما أستنيرت الأرواح ، وما سُكبت البركة والرضا والقناعة على النفوس والمكاسب إلا عندما تتشبث المرأة بقيم ومعايير حياة الزهراء (ع) .
يقول أحد العلماء :
يعتقد بعض الناس أنّ الرفاه المادّيّ وحيازة الأموال والأراضي والحدائق وحسابات البنوك ، قد تجلب السعادة للإنسان . لكنّ هذا خطأ يرتكبه الإنسان ، فيتوهّم أنّ السعادة هي بامتلاك الحدائق والأراضي وجمع الثروة والإتجار .
عندما ندرس حالة الفقراء والمساكين الذين يسكنون بيوت متواضعة نجدهم قد نالوا حظّاً من السعادة يفوق الذين يسكنون القصور ، بل قد لا نجدها في القصور . لقد كان هناك البيت المتواضع في صدر الإسلام ، إنّه بيت فاطمة الزهراء (ع) ، بيت أبسط من هذه البيوت ، لكنّ هذا البيت كان يحمل سرّاً ملأت بركاته كلّ أرجاء العالم بالنور . إنّ الإنسان يحتاج إلى جهد كبير ليقطع هذا الطريق الطويل ويصل إلى بركات ساكني هذا الكوخ المتواضع ، المتواضع ماديّاً ، لكن روحيّة هذا البيت بلغت أقصى المدى فلا تصل إليها حتّى الملائكة .
ولقد كان من معالم البيت العلوي الفاطمي أنه بيت لا توتر فيه ، يقول أمير المؤمنين (ع) «فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتُها على أمر حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً» .. فلا علي يغضب فاطمة ولا فاطمة تُغضب علياً (صلوات الله عليهما) .
وفي وصية الزهراء (ع) قالت : «ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني . فقال (ع) : معاذ الله أنت أعلم بالله وأبرّ وأتقى وأكرم وأشدّ خوفاً من الله من أن أوبّخك بمخالفتي» .
فعلى جميع النساء المؤمنات أن يكون هذا البيت قدوتهن في حياتهن الزوجية .. ولقد اقتدى به الكثير من أسلافنا فعاشوا حياة هانئة طيبة ولم يكن أحد الزوجين يفترق عن الآخر حتى الموت . 
فكلما تتجدد ذكرى شهادة الصدّيقة الكبرى (ع) يتجدد في مصابها آلام الحزن الدامع ، وتقشعر لوقع أصدائها أظلة العرش ، وتتأوه لفداحة رزيتها الملائكة ، ويتمزق لشدة ألمها قلب صاحب الزمان (عج) .
اللهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها بعدد ما أحاط به علمك 

فاطمة الزهراء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!