الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
سيدتي يا فاطمة الزهراء : عندما أهتم بالكتابة لأمركْ ليس لأنه واجب عَليّ ولكن لأن بين أضلعي قلباً يأمرني بذلكْ .. فأعتذر عن التقصير والتأخير ، والغفران يا سيدتي من شيم الأغنياء ، وأنتِ غنية بكل الصفات الحميدة .. وكلماتي هذه هي جزءٌ عريضٌ من اعتذارٍ طويلٍ .
فيا سيدتي : ما أكتبه عنكِ لا ليقرأه الآخرون فلهم الفضل ، وإنما لكي أقرأ ما أكتبه ، ولو بعد حين ، لأعرف إنكِ تألمتي لما فرّط القوم في الولاية حتى كانت شهادتك .. ولا يتألم إلا من كان وفياً .
ولما قَبِلت الخواطر أن تطوف في محراب الزهراء (ع) ، فلابد للحرف أن يتمايل فرحاً لولادتها .
وماذا أقول عن إمرأة في عمرها القصير الذي ترتّب بين الولادة والشهادة ، عجزت عن نوالها مراتب الأنبياء والأولياء .
وإذا أردنا أن نعرف مقام الصدّيقة فاطمة (ع) على مقام البُنوّة عند الرسول الأعظم (ص) ، فإنها صارت (أُمَّ أبيها) في مقابل أمومة زوجاته للمؤمنين .. فإذا كان الله تعالى قد أكرم زوجاته (ص) بأن جعلهنّ أمّهات للمؤمنين لقوله تعالى : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم) الأحزاب : 6 ، إشارة إلى بعض آثار الأمومة من الاحترام والتكريم لهنّ كإحترام الأم الحقيقية وتكريمها ، فانّ فاطمة (ع) قد فاقت منزلتها بحجيّتها الإلهية لتكون أُمّاً للنبي (ص) وعلى لسانه لقوله : (فاطمة أمّ أبيها) .. مما يشير إلى عِظم منزلتها ، فأمومتها له (ص) تعني أن هناك علاقة ارتباط وثيقة على مستوى الحُجيّة .. أي أن أُمومتها للنبي إضافة إلى رعايتها له والقيام بشؤونه ، لها جانب إشراف ورعاية لدعوته وتصديقه والقيام ببعض شؤون رسالته .. وبهذا يتّضح الفرق بين الأمومة للنبي (ص) والأمومة للمؤمنين .
ومن مصاديق الاحتفال بمولد الزهراء (ع) هو الهدية من الخالق سبحانه للرسول الأعظم (ص) بعنوان سورة الكوثر .. ولما كان الكوثر هو المصداق الأكمل والأبهى لفاطمة الزهراء (ع) فإن الله سبحانه أذنَ بالاحتفال بمولدها ما كان للكوثر رسماً الى يوم القيامة .
إذا عرفنا أن الزهراء (ع) حوراء إنسية ، أي أن ولادتها من العالم العلوي نزولاً الى العالم الأرضي .. ندرك أي سر مستودع فيها عندما ندعو بها كل حين .
فعندما نبحث عن أسرار اللّه المودعة في روح الزهراء (ع) ذات التكوين الجسدي الفريد نصل إلى أن روحها خُلقت من نور عظمة اللّه تعالى ، وهو قول الإمام الصادق (ع) : «إنّما سُمّيت فاطمة ، لأنّ الخَلق فُطموا عن معرفتها» .
فأنّى للخَلق أن يعرفوا فاطمة ؟ ليس فقط (الناس) بل (الخلق) الذي يشمل (الإنس) و (الجنّ) و (الملائكة) ، فالكلّ مفطومون وعاجزون عن معرفتها . فأيّ شخصيّة هذه التي عَزَّ مقامها عن أن تنال الخلائق معرفتها ؟
إنّ الزهراء (ع) (حوراء إنسيّة) ، ليست مسألة بسيطة ، فهي في الوقت الذي هي إنسية ومن الناس ومن عالم المُلك والناسوت ، هي حوراء ومن الملكوت الأعلى ، ولا عجب في ذلك فعندما يكون نسيج البدن من أرقى ثمار الجنّة وأنقاها وأصفاها ، ويكون الأب خير الخلق ، والأمّ خير النساء فأيّ بدن طاهر سيكون هذا البدن ؟ ثمّ الروح التي سترتبط بهذا البدن أيّ روح ستكون ؟ إنّها روح الصدّيقة الطاهرة (ع) فهي ليست امرأة من النساء بل إنّها جوهر وناموس ، وسرّ الوجود ، وقضيّة فوق ما تقدر عقولنا على استيعابه بل فوق ما تقدر أذهاننا على تصوّرة وإدراكه .
إنّ النبيّ الأعظم (ص) الذي لا ينطق عن الهوى ، والذي يخضع الأنبياء كلّهم أمام قوله وفعله ، قال عن شجرة طوبى وثمرتها : (لم أرَ في الجنّة أحسن منها ، ولا أبيض ورقاً ، ولا أطيب ثمرة) ، ومعنى (لم أرَ) هو أنّه (لا يوجد) ، وإلّا لرآه (ص) ، فنطفة فاطمة (ع) جاءت من ثمرة تلك الشجرة .
فهذا يعني أنّ أصل بدن فاطمة هو أنقى ما في الكون .. إذن : فأيّ روح تناسب ذلك البدن كي تحلّ فيه ؟
فعبارة (الحوراء الإنسيّة) هي العبارة المناسبة للتعريف بشخصية الزهراء (ع) مع ما فيها من أسرار ومميزات .
فالزهراء (ع) فريدة في تكوينها ، وعناصر جسدها الطاهر ، ومن الواضح ضرورة التناسب بين الجسد والروح ، فإنّ النفس والروح الإنسانيّة مثلاً لا تتناسب مع جسد الحيوان ، ولا يمكن أن تحلّ فيه ، بل لابدّ من تسوية الجسد وإعداده إعداداً خاصّاً ثمّ حلول الروح فيه ، قال تعالى : (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) [ الحجر : 29 ] .
فالروح لا تحلّ إلّا في بدن تمّت تسويته في أحسن تقويم ، وإذا كان بدن الإنسان الاعتيادي مخلوقاً في أحسن تقويم فما ظنّك بالبدن الذي لم تؤخذ عناصره الأصلية من عالم الدنيا والمُلك بل أخذت من عالم الملكوت الأعلى كبدن الصّديقة الطاهرة (ع) ، وكيف ستكون النفس والروح التي تناسب مثل هذا البدن وتحلّ فيه ؟
أي أن سر خِلقة فاطمة الزهراء (ع) وسر تكوينها وسر تحملها لأعباء الرسالة ، لم يكن لذلك من كفء إلا علي (ع) ، إذن ما هو سر خلقة علي (ع) وسر تكوينه وسر تحمله لأعباء الرسالة كي يكون ذلك كله فقط كفء لفاطمة (ع) ؟؟
في أمالي الشيخ الصدوق قال الصادق (ع) في حديث : (لولا أن أمير المؤمنين (ع) تزوجها لما كان لها كفء إلى يوم القيامة على وجه الأرض آدم ومن دونه) .
فلم يكن لفاطمة الزهراء (ع) كفء غير أمير المؤمنين (ع) ، ولو لم يخلق الله علياً لما كان لها كفء على وجه الأرض منذ أن خلق الله آدم (ع) إلى ختام خلقه ، فسبحانه الذي خلقهما من جوهر واحد .
من هنا كان الزواج سماوياً ، حيث يقترن الزوج المعصوم علي (ع) بالزوج المعصومة فاطمة الزهراء (ع) .. وأعلنها الرسول الأعظم (ص) كأفضل زيجة على الأرض بمباركة السماء .. فهما أول وآخر معصوم يتزوج من معصومة على مر الأيام والليالي من آدم ومن دونه إلى قيام الساعة !!
فالجدير بنا أن نتعهدهما (عليهما السلام) بأن نفهم ما هما ، وما يريدان منا أن نكون .
يقول السيد الشهيد محمد باقر الصدر [طاب ثراه] في كلمة لجمعٍ من النساء :
(هذه فاطمةُ الزهراءُ (عليها السلام) ، التي استطاعت أن تُثبت في تاريخ الإسلام أنّ العِلمَ يجتمعُ مع الدين ، وأنّ الثقافةَ الحقيقيّةَ توأمٌ للإيمان بالله ، ومع التمسّك بالإسلام ، والالتزام بالحجاب ، وإحياء شعائر الدين .
أنتُنَّ حاملاتُ رسالةِ فاطمةَ الزهراء (عليها السلام) ... أنتُنَّ مَن سيُعرِّفُ العالمَ ، من خلالكنّ ، أنّ العِلمَ لا ينفصلُ عن الإيمان ، وأنّه ليس من العِلم في شيءٍ من السفورُ ، ولا من الثقافة في شيءٍ من الاختلاطُ والتحلّلُ .
المرأةُ المسلمةُ تستطيعُ أن تبلغَ أعلى مراتبِ الكمالِ والتقوى والرقيّ في كلّ الميادين ، من دون أن تتنازل عن قِيَمِها الإسلاميّة ، أو تفرّط في شيءٍ من تراثها ، أو تتخلّى عن رسالة ربّها ، ربّ العالمين .
لقد حاولَ الأوروبيّون أن يُقنعوكنَّ بغير ذلك ، فأفهِموا أنتنَّ العالمَ كلَّهُ أنّهم على خطأ ، وأنّكنَّ على الحقّ) .
وبعد فهذا بعض ما امتازت به فاطمة الزهراء (عليها السلام) من خصائص وليست كلها ؛ لأن الحديث عنها له بداية وليس له نهاية ، وكيف ينتهي الحديث عمن وصفها النبي (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى بقوله : (لو كان الحسن شخصاً لكان فاطمة بل هي أعظم ، فاطمة ابنتي خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً) .
هناك عاملان مهمّان قامت بهما الزهراء (ع) :
الأوّل : أن الزهراء (ع) هي المدافع الأول عن الولاية التي حملها بعلها أمير المؤمنين (ع) عندما خرجت على القوم تدافع عن إغتصابهم للإمامة ، فقد أبلت (ع) بلاءً كبيراً في إعداد نفسها وتهيئتها لنصرة إمامها (ع) ، في مواقف عديدة تطلّبت الحزم والشجاعة والصلابة التي كانت تمتلكها لاسترجاع بريق الرسالة الإسلامية التي حمل لواءها نبيُّنا المصطفى (صلى الله عليه وآله) ، فكانت (ع) الدرع الحصينة الناصر والمحامي المدافع لأمير المؤمنين (ع) .
والثاني : أن الزهراء (ع) بنت الرسالة فهي معصومة في التبليغ عنها بكل تشريع ومنهاج عملي .. حين قالت (ع) : نحن وسيلته في خلقه ، ونحن خاصته ومحل قدسه ، ونحن حجته في غيبه ، ونحن ورثة أنبيائه .
وهنا جدير بالذكر هذه اللطيفة التي برهنت على كرامة الزهراء (ع) عند الله سبحانه :
اقتحم رجال الشرطة في العراق الشوارع والمنازل والاسواق لاعتقال الايرانيين المقيمين هناك وتسفيرهم الى ایران ، والمعروف ان المجتمع العراقي اندمج فيه الايرانيون منذ مئات السنين وخاصة في مدن النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية ، حيث العتبات المقدسة لأئمة المسلمين الشيعة . وكانت الحملة الاولى للتسفير صعبة جداً على مئات العلماء والناس والعوائل إذ لم يألفوا مجتمع الاجداد في ايران ، وكان عليهم البدء في تأسيس المعيشة والمعاش مـن الصفر أو تحت الصفر !
يقول أحد العلماء الفضلاء : إلتقيت قبل يوم ذكرى أربعينية الامام الحسين (ع) في كربلاء بالخطيب الحسيني الشيخ عبد الزهرة الكعبي في مدرسة ابن فهد الدينية وتناولنا مأساة التسفير المروعة ، وكان الشيخ الكعبي شديد الحزن على تلك المعاناة للمظلومين ، وفجأة رأيته قام من مكانه وقال : اني أصلي الآن صلاة السيدة فاطمة الزهراء (ع) وأتوسل بها الى الله تعالى ليفرج عن هؤلاء المكروبين ، فانكفأ الى الصلاة .
وهذه الصلاة ركعتان ، في الاولى تقرأ سورة الحمد مرة وسورة القدر مائة مرة ، وفي الثانية بعد سورة الحمد تقرأ مائة مرة سورة الاخلاص ، وبعد السلام تسبّح بتسبيحة الزهراء (ع) ، ثم تقرأ دعاء مذكور في كتب الأدعية .
أخذ الشيخ الكعبي يقول بعد هذه الصلاة في حال السجود (410) مرات (يا سيدتي يا فاطمة أغيثيني) وهو يبكي بكاءً عالياً ، ولما رفع رأسه من السجود وكانت عينه محمرة من شدة البكاء قال لي : سوف يطلقون سراح الذين اعتقلوهم للتسفير ، والذين رموهم على الحدود العراقية - الايرانية سوف يعودون الى بيوتهم .
والعجيب أن في تلك الليلة أعلن عن إطلاق سراح المعتقلين وعودة المبعدين .
ويروي أحدُ العلماءِ : كانَ أستاذ الحوزة في قم المقدسة آيةُ اللهِ العُظمى السيّدُ محمّد رضا الكلبايگانيّ ، يعيشُ مُستأجراً ، وقد بدَّلَ نحوَ خمسٍ وعشرينَ داراً خلالَ حياتِه ، ولكلِّ واحدةٍ منها قصّةٌ خاصّة ، غيرَ أنّ من أعجبِها قصّةَ البيتِ الذي استأجرَهُ في منطقةِ «باغِ پنبه» في أوائلِ عمرِه الشريف .
حينَ كانَ السيّدُ يتجوّلُ في أزقّةِ «باغِ پنبه» يبحثُ عن منزلٍ مناسب ، اعترضتْهُ امرأةٌ عجوزٌ من أهلِ الحيّ ، فسألته : ما اسمُك يا سيّدي ؟
فقال : السيّدُ محمّد رضا .
فسألتْهُ ثانيةً : ومن أينَ أنت ؟
قال : من كَلبايگان .
فقالتِ المرأةُ على الفور : يا سيّدي ، داري في خدمتك ، هيَ لك !
وأصرّتْ كثيراً أن يسكنَ في بيتِها .
فسألها السيّدُ متعجّباً : ولِمَ هذا الإصرارُ يا أمّاه ؟
فأجابتهُ العجوزُ بعينينِ دامعتين : يا بُنيّ ، لقد رأيتُ الليلةَ الماضيةَ رؤيا عجيبة .. رأيتُ سيّدتَنا فاطمةَ الزهراءَ (سلامُ اللهِ عليها) ، نادتْني باسمي وقالتْ لي : يا ابنتي ، إنّ ولدي محمّد رضا لا يملكُ بيتاً ، وهو يبحثُ عن مأوى ، فأعطيه بيتَك .. ومنذُ الصباحِ وأنا أنتظرُ قدومَك يا سيّدَ محمّد رضا .
فاغرورقتْ عينا السيّدِ بالدموع ، وشكرَها على صدقِ نيّتِها وإخلاصِها ، وسكنَ في ذلكَ البيتِ الذي اختارتهُ لهُ سيّدةُ نساءِ العالمينَ (عليها السلام) .
اللهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بعدد ما أحاط به علمك .. واجعلنا ومن يلوذ بنا من الأهل والأقرباء والأصدقاء من شفعائها يوم الورود .

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!