صفحة الكاتب : د . وارد نجم

الحقيقة والخيال والأكاذيب في موضوع الاستثمار المنقذ للاقتصاد
د . وارد نجم

تملا الدعوات الى الاستثمار الأجنبي فضاءنا العراقي من اوراق الصحف وشاشات التلفاز وأروقة مكاتب المسؤولين ، حتى اصبح المواطن المسكين يعتقد ان حل مشاكله المزمنة منوطا بهذا المارد ألخرافي , وما يدريه ان هذا الاستثمار هو الكذبة الكبرى الثانية في الاقتصاد العراقي بعد الدولرة ، وإذا كانت للدولرة ( استخدام الدولار في تخطيط الاقتصاد العراقي وموازناته) بعض المنطلقات الفنية التي تمت اساءة استخدامها بقصد او من دونه فان الاستثمار الأجنبي في العراق هو عنوان صارخ للفساد والتخريب وسوء الادارة الاقتصادية وليس له اي منطلق فني او عملي , ومن الغريب ان يضع الناس آمالهم في مستثمر اجنبي في الوقت الذي تفشل جميع قطاعات الانتاج العراقية من صناعة وزراعة وخدمات وبنى تحتية حكومية او أهلية في العمل او تغطية تكاليفها .

ويأتي المستثمر الأجنبي الهمام( وهو في الأغلب عراقي الأصل) فيخترع المعجزات .

اي كذبة هذه ، وأي وهم ، وكيف يصدق الناس ان الغريب ينجح في عمل يفشل فيه ابن البلد ما لم يكن وراء الامر اسرار وأسرار ؟ ثم ما هي حصيلة الاستثمار الأجنبي خلال السنوات العشر المنصرمة ؟ وهي ليست سوى بضع مولات تجارية اغلبها غير مكتمل ومشاريع سكنية اغلبها كانت عمليات نصب او عقود مقاولات أبرمتها الحكومة وألصقت بها صفة الاستثمار زورا وبهتانا مثل جولات التراخيص النفطية ومشروع بسماية وكانت أثمانها مدفوعة من قوت المواطن وأمواله وليس من جيب المستثمرين ؟ 

اسالوا انفسكم جميعا أين الاستثمارات الأجنبية الحقيقية في الزراعة او في الري او في السدود او في الطرق او الجسور او المدارس او المستشفيات ، بل أين الاستثمار في الصناعات ابتداءا من الصناعات النفطية مرورا بالصناعات الغذائية والنسيجية والحديد والصلب ،؟ هل يوجد شي منها يستطيع احدكم ان يرشدنا اليها او يُرينا إنتاجها ؟ 

نعم يوجد استثمار اجنبي ولكنه في مجالات التجارة او الخدمات المترفة للطبقات الغنية ومثل هذه الاستثمارات يجب ان تكون محلية ولا يحتاج البلد الى ( الخبرات ) الوهمية لمنافسة أبناء البلد في مجال مطاعم الشاورما او فنادق الدرجة الثالثة او الأسواق الكبيرة ،،، اما الاستثمارات التي تدعي انها تهتم بالصناعة او الزراعة او البنى التحتية فان التفتيش فيها سوف يكشف أسوأ انواع الفساد او التخريب او الضحك على العراقيين , والأمر لا يحتاج الى تحري او تدقيق فالشركة العامة للزيوت النباتية وهي شركة حكومية تفشل في دفع رواتب موظفيها فكيف يأتي مستثمر اجنبي ويؤسس مصنعا في العراق يحقق ارباحا تعجز عنها الشركة الحكومية ، وكيف يستطيع المستثمر الأجنبي ان يحقق قيمة اقتصادية مضافة وأرباحا مجزية في زراعة النخيل , وفلاحنا المكرود ينظر بعين الحسرة الى إنتاجه من التمور وهو يذهب الى التلف او العلف ولا يسد جزءا من مصاريفه وليس أمامه اي سوق في الداخل او الخارج ، هل لدى هؤلاء المستثمرين عصا موسى او خاتم سليمان او ان وراء الأكمة ما ورائها ؟ ثم ما الذي يجلب هؤلاء المستثمرين الى العراق وباستطاعتهم الاستثمار في بلدان اكثر امنا وأقل كلفة وأكثر دعما وأسعار عملتها اقل ؟ لماذا لا يذهبوا الى الصين بتسهيلاتها المعروفة او الى ايران بدعمها الكبير وعملتها المنخفضة او الى تركيا وتشريعاتها الجيدة وعمالها المنتجين المنضبطين ؟ بل لماذا يذهب الصناعي العراقي الى هذه البلدان ويؤسس فيها المصانع ويصدرها للعراق ويأتي هؤلاء الأجانب الى العراق ؟

قد نعذر المواطن البسيط على وقوعه تحت هذا التضليل الكبير ، ولكن من المريب ان نسمع احاديث العديد من الشخصيات المسؤولة او التي تدعي التخصص والمعرفة وهي تردد الكلام السطحي عن أهمية ودور الاستثمار الأجنبي وهي تعرف انه مجرد وهم وخيال وسرقة على المكشوف ؟

لننظر الى بلدان العالم اجمع ، هل رأيتم بلدا يفشل فيه أبناءه بالإنتاج الحقيقي ويهاجروا الى اصقاع الدنيا يستثمروا فيها ثم يأتي الغرباء الى بلدانهم وينجحوا في ما فشل فيه أبناء ألبلد ؟ هذا موجود في حالة واحدة عندما تكون هناك اتفاقات تحت الطاولة وما ادراك ما هذه الاتفاقات والطاولة ؟

بعد بضعة ايام ، وبالتحديد في الخامس من شباط القادم ستقوم لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب العراقي بعقد ندوة حول التعديلات المقترحة على قانون الاستثمار ودور الهيأة الوطنية للاستثمار ، ومنذ الان تبدو المقدمات وكأنها تتجه نحو تكريس الوهم والخيال ، سواء من حيث المشاركين في المؤتمر او المواضيع التي سوف تناقش  ، وهذا باعتقادنا ليس منصفا بحق هذه اللجنة او رئيسها السيد جواد البولاني او أعضاءها ،. نريد من اللجنة ان ترعى مؤتمرا حقيقيا يناقش الخلل في الاستثمار المحلي اولا ، فمن دون ذلك يصبح الاستثمار الأجنبي مكبا وبورصة للفرص الفاسدة تتلقفه أيادي تجار الاتفاقيات السرية وسماسرة الاستثمارات . 

ونود ان نشير في هذه المناسبة على الجانب العلمي في الاستثمار الأجنبي ، اذ ان هذا المفهوم من المواضيع الشائكة في الفكر المالي والاقتصادي , وهو متداخل جدا مع مصطلح سياسي يسمى ببيع البلدان او بيع الثروات المحلية ، وقد وضع المفكرون شروطا لإستخدام وتشجيع الاستثمار الأجنبي في الحالات الآتية ومن دونها يكون الاستثمار الأجنبي هو بيع او هدر لثروات البلد ، وهذه الشروط هي :

- ان يؤدي الاستثمار الأجنبي الى زيادة صادرات البلد او تخفيض مستورداته وبالتالي ينعكس أثره ايجابا على ميزان المدفوعات 

- ان تكون هناك حاجة ذات ضرورة قصوى ولا يمكن تأجيلها إطلاقا 

- ان تكون هذه الاستثمارات بحاجة الى إمكانات مالية او ادارية او تقنية او فنية ( يستحيل ) توفيرها محليا

- ان تكون هذه الاستثمارات غير قابلة للتنفيذ من قبل المستثمر المحلي ، و( يستحيل) على الدولة مساعدة ابناءها على تنفيذها او يستحيل عليها تنفيذها بجهازها الحكومي ،

 

لنضع هذه المعايير اداة فحص لجميع الاستثمارات الأجنبية التي انشأت خلال السنوات الماضية ، ثم نحدد هل هي استثمارات حقيقية ام هدر لثروات العراق ؟ 

دعوة لجميع المخلصين ان يدعموا الاستثمار المحلي اولا ، وان يعطوا للاستثمار الأجنبي دوره الحقيقي وفقا لضرورته العلمية والفعلية , وإلا فستجد الأجيال اللاحقة ان العراق قد تم بيعه قطعة قطعة وان المنتج والصناعي والمزارع العراقي قد ذهب يعمل في جزر القمر او واق واق ، وان كان هذا حاصل فعلا في الوقت الحاضر للأسف الشديد .

  

د . وارد نجم
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2015/01/31



كتابة تعليق لموضوع : الحقيقة والخيال والأكاذيب في موضوع الاستثمار المنقذ للاقتصاد
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق عامر ناصر