سلام الله عليك سيدي يا أبا الفضل العباس ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، هل تقبل مني مولاي وأنا أحد خدام عتبتك البهية أن أقف أمامها، وأنا بحومة رؤيا.. لأسألها هكذا وكأني انا المحقق:ـ من أنت؟ أجابت مولاتي بكل يسر:ـ أنا فاطمة..
:ـ وأي فاطمة من الفواطم أنت؟
:ـ أنا فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السّلام) هل عرفتني؟
قلت:ـ من لا يعرفك سيدتي (سلام الله عليك) وهذا دمع بهجتي يشهد انك سليلة الدوحة النبويّة المطهّرة، غصن يافع من أغصان الشجرة العلوية المباركة، وحفيدة الصدّيقة الزهراء (عليها السّلام)، المحدِّثة، العالمة، العابدة. اختصّتك يد العناية الإلهيّة فمنّت عليك بأن جعلتك من ذريّة أهل البيت الطيبين الطاهرين المطهّرين(عليهم السلام)، حدّثت عن آبائك الطاهرين (عليهم السّلام)، وحدّث عنك جماعة من أرباب العلم والحديث.
قلت:ـ عذراً سيدتي.. ونحن على وفادة هذه الذكرى البهيجة، أريد أن أعرف تأريخ مولدك الذي اختلف فيه الكثير من مؤرخينا.
المعصومة:ـ هل تعرف سبب الاختلاف؟
قلت:ـ سيدتي سبب الظروف الصعبة التي فرضتها السلطة العباسية على الإمام موسى الكاظم (عليه السلام). فقد أصبح من العسير جداً الوقوف بشكل دقيق على تاريخ ولادتك الميمونة.
ذكر بعضهم أن الولادة كانت سنة 183هـ وهذا قول أكثر المؤرخين.
قالت (عليها السلام):ـ طبعا لا؛ لأنها السنة التي استشهد فيها والدي الإمام الكاظم (عليه السلام) وكان سجينا في الأربع سنوات الاخيرة من حياته المباركة، أنا ولدت في المدينة المنورة في الأول من ذي القعدة سنة173 هـ عاصرت من حياة أبي عشر سنوات فقط مع سنوات السجن، فقدت والدي وأنا في سن الطفولة؛ لأنّ هارون الرشيد أودع أبي السجن، ثمّ اغتاله بالسمّ عام 183ﻫ، ومات امامنا قتيلاً صابرًا محتسبًا في سجن هارون ببغداد،.. نشأت وترعرت تحت رعاية أخي مع إخوتي وأخواتي في كنف الإمام الرضا(عليه السلام) وفي سنة 200هـ أبعد الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى (مرو)، سيدي يا أبا الفضل العباس (عليك سلام الله) هل تقبل مني وأنا أحد خدام عتبتك البهية أن اقف امامها حتى لو كنت بحومة رؤيا..
:ـ أسألها عن اسمها المعصومة؟
قالت:ـ يقترن هذا الاسم باسمي فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فيقال في الأعم الأغلب فاطمة المعصومة، كما يقال عند ذكر أمّنا الكبرى: فاطمة الزهراء (عليها السلام). وقد ورد هذا الاسم عن الرضا (عليه السلام) حيث قال: من زار المعصومة بقم كمن زارني. ولهذه التسمية من الدلالة ما لا يخفى، فإنها تدلّ على أني قد بلغت من الكمال والنزاهة والفضل مرتبة شامخة حيث سمّاني الإمام (عليه السلام) بالمعصومة، والعصمة تعني الحفظ والوقاية، والمعصوم هو الممتنع عن جميع محارم الله تعالى، ذات مراتب تتفاوت فيها القابليات والاستعدادات من شخص إلى آخر.. كعصمة السيدة زينب وعصمة أبي الفضل العباس(عليهما السلام).
ومن أسماء وألقاب أخرى (كريمة أهل البيت) أطلقه الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه): "الشريفة، الطاهرة، الحميدة، البرّة، الرشيدة، التقية، النقيّة، الرضية، المرضيّة، السيدة، أخت الرضا".
قلت: ولماذا مدينة قم يا سيدتي؟
:ـ رحلت الى خراسان خلف الإمام الرضا (عليهم السّلام)، فكان سنة 201هـ وخرج معي موكب قوامه اثنان وعشرون شخصاً من الأخوة وأبنائهم والغلمان طلباً لأخي اكتنفت - ومعي آل أبي طالب - حالةٌ من القلق الشديد على مصير الإمام الرضا (عليهم السّلام)، منذ أن استقدمه المأمون إلى خراسان.
لقد كنا في خوف بعدما أخبرنا أنّه سيُستشهد في سفره هذا إلى طوس خاصّة وأنّ القلوب الكليمة ما تزال تدمى لمصابنا بالكاظم (عليهم السّلام)، الذي استُقدم إلى عاصمة الحكم بغداد، فلم يخرج من سجونها وطواميرها إلاّ قتيلاً مسموماً. كلّ هذا جعلني في قلق عليه اجبرني لشدّ الرحال، رحلت أقتفي أثر أخي الرضا (عليهم السّلام)، والأمل يحدوني في لقائه حيّاً، وكان الناس يستقبلونني ويكرمونني أينما حللّت.. وكنت في الطريق أبيّن للناس مظلومية أخي وغربته، ومعارضته للحكم العباسي.
وفي أثناء ذلك وحينما وصلت القافلة مدينة (ساوه) توجّه بعض أعداء أهل البيت بصحبة.. بعض جنود الحكومة، واعترضوا طريق القافلة، وحصلت بيننا معركة استشهد على إثرها جميع رجال القافلة.
وأنا سُقيت السم، ولم أتمكن من مواصلة المسير فتوجهت نحو مدينة قم، بعد أن سألت عن المسافة بين (ساوه) وقم، سمعت أبي يقول: «إن قم مأوى شيعتنا». فخرج أهل قم لاستقبالي وانا مريضة، فلمّا وصلت استقبلني أشراف قم، وبقيت في (بيت النور) رحلت قبل أن أحظى برؤية أخي، اثر دمعة سقطت من عينيها انتفضت الرؤيا فصحوت.. ولهذا جئت لأرفع لكم اعتذاري سيدي يا أبا الفضل العباس.. لك ولسادتي أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) في كل رؤيا وفي كل صحو مبين.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!