منذُ صبانا ، ونحنُ نسمعُ أهالينا في العراقِ يرددون عبارةً لها وقعٌ خاصٌ في النفوس: (أقسمَ بالعباسِ أبي فاضلٍ ) عبارةٌ لا تقالُ في كلِ موقف، إنما تظهرُ غالبا عندما تصلُ الخصومة إلى نهايتها، ويحتاجُ أحدُ الطرفينِ إلى إثباتِ صدقهِ أوْ نفي تهمة عنه.
اعتادَ الناس، ففي كثيرٍ منْ البيئاتِ العراقية، أنْ يتوجهوا إلى مرقدِ الامام أبي الفضلِ العباسِ (ع ) ، فيحلفُ الخصمانِ أوْ أحدهما أمامه، طلبا للصدقِ وحفظا للحق، لمْ يكنْ هذا الأمرُ محصورا بطائفةٍ دونَ أخرى، بلْ عرفهُ العراقيونَ على اختلافِ مذاهبهم، لأنَ أبا الفضلِ أصبحَ في الوجدانِ الشعبيِ رمزَ مشتركَ للأمانةِ والوفاءِ والصدق.
هنا يبرزُ سؤالٌ مهم وعميق: لماذا العباس؟ لماذا ارتبطَ القسمُ باسمهِ أكثر منْ غيره؟
إنَ الجوابَ لا يعني أبدا تفضيلهُ على الأئمةِ الآخرين( عليهمْ السلام)، ولا الموازنة بينَ مقامهِ ومقامِ أميرِ المؤمنينَ عليّ بن أبي طالبٍ (ع ) ، وإنما لأنَ لكلِ شخصيةٍ في الذاكرةِ الدينيةِ حضورها وسمتها التي ارتبطتْ بها.
ارتبطَ اسمُ (أبي الفضلِ العباسِ) بمعنى واضحٍ وجليل في الوفاء، فقدْ كانَ العباسُ أخا للإمامِ الحسينِ (ع ) ، وحاملَ لوائهِ في واقعة الطف، لكنهُ لمْ يكنْ أخا بالنسبِ فقط؛ كانَ أخا في الموقفِ والعهدِ والتضحية، وحينَ أصبحَ الطريقُ إلى النجاةِ مفتوحا لبعضِ الناس، بقيَ هوَ معَ الحسين، حينَ اشتدَ البلاء، لمْ يتراجع، حينَ صارَ الماءُ قريبا منه، تذكرَ عطشِ الحسينِ وأهلِ بيته، وحينَ أصبحتْ كربلاءُ امتحانا حقيقيا للوفاء، لمْ يسأل:
ماذا سأربح؟ بلْ بقيَ حتى النهاية حتى استشهاده.
لمْ يكنْ عجيبا أنْ يرتبطَ اسمهُ في وجدانِ الناسِ بالأمانة، فقد وردَ في الزيارةِ المنسوبةِ إلى أبي الفضلِ العباسِ (ع) أشهدُ لك بالتسليمِ والتصديقِ والوفاءِ والنصيحةِ لخلفَ النبيّ محمد (ص)، أربعُ كلماتٍ عظيمةٍ تختصرُ جانبا منْ شخصيته تتمثل في :( التسليم، التصديق، الوفاء، والنصيحة).
منْ هنا يمكنُ أنْ نفهمَ لماذا أصبحَ اسمهُ حاضرا في الخصومات، فالإنسانِ عندما يقول: (والعباس ) ، فهوَ لا يستحضرُ اسما عابرا، وإنما يستحضرُ رجلاً ارتبطَ اسمهُ في الذاكرةِ بالوفاءِ حتى الموت، كأنهُ يقولُ لنفسهِ قبلَ أنْ يقولَ لخصمه: هلْ أستطيعُ أنْ أكذب، وأنا أستحضرُ رجلاً كانَ الصدق والوفاء عنوانه؟
هنا تتحولُ القضيةُ منْ مجردِ قسمٍ إلى مسألةِ ضمير، فاليمينُ ليستْ كلمة تطلقُ بلا مسؤولية، والاسم المقدس ليسَ وسيلة للانتصارِ في الخصومة، فإذا كانَ الإنسانُ يعرفُ أنهُ ظالم، ثمَ أقسم، فما الذي بقيَ منْ حرمةِ القسم؟
فإذا وقفَ المرء أمامَ مرقدِ أبي الفضلِ ثمَ كذب، فما الذي بقيَ منْ معنى الوفاءِ الذي جاء؛ ليستحضره؟
إنَ أجملَ ما في هذهِ العادةِ الشعبيةِ العراقية، أنها جعلتْ اسمَ العباسِ (ع) حاضرا في تفاصيلِ الحياةِ اليومية، في خصومةٍ بينَ جارين، خلافٌ على أرضٍ أوْ زرع، حقّ بينَ شريكين، اتهامٍ ينكرهُ إنسان، وشهادةٌ يريدُ صاحبها أنْ يثبتَ صدقه، هكذا انتقلَ أبو الفضلِ منْ صفحاتِ التاريخِ إلى الضميرِ الاجتماعيِ للناس، ولعلَ هذا هوَ سرُ بقاءِ اسمهِ حيا في الذاكرةِ العراقية، فالناسُ لا تستحضرُ العباس؛ لأنهُ كانَ شجاعا فقط، معَ أنَ شجاعتهُ أصبحتْ منْ أشهرَ ما عرفَ به، وإنما تستحضرهُ لأنهُ كانَ وفيا حينَ كانَ الوفاءُ مكلفا.
قدْ تظهرُ الشجاعة في لحظة، أما الوفاء، فيحتاجُ إلى عمرَ منْ المواقف، والقسمُ بالعباس، بهذا المعنى، ليسَ خوفا منْ شخص، ولا اعتقادٍ بأنَ العباسَ يحكمُ بينَ الناس، فالحكمُ للهِ سبحانهُ وتعالى، وإنما هوَ استحضارٌ لسيرةِ رجلٍ أصبحَ اسمهُ مرتبطا بالصدقِ والأمانة.
منْ هنا يصبحُ القسم الحقيقيّ بالعباسِ، هوَ أنْ نكونَ صادقينَ في غيابهِ كما نحنُ صادقونَ أمامَ مقامه، نحفظُ أمانةَ الجار، لا نظلمُ المزارع، ونخونُ الشريك، لا نشهدُ زورا، لا نحولُ اسمَ أبي الفضلِ إلى أداةٍ لكسبِ خصومةٍ بالباطل، فأبا الفضلِ لمْ يتركْ لنا القربة والماء واللواء فقط؛ تركَ لنا درسا أخلاقيا عظيما.
إنَ الإنسانَ يعرفُ عندَ الامتحان، والعهدَ الحقيقيَ، هوَ الذي يبقى عندما يصبحُ ثمنُ الوفاءِ غاليا، لهذا بقيَ العباسُ في وجدانِ العراقيينَ أكثر منْ شخصيةٍ تاريخية؛ أصبحَ رمزا للوفاء، فحينَ يقولُ العراقي: (والعباس) ، ينبغي أنْ تهتزَ في داخلهِ صورةُ كربلاء، القربة، اللواء، والحسين، وذلكَ الرجل الذي لمْ يتركْ أخاهُ وحيدا.
سلامٌ على أبي الفضلِ العباس(ع)، يوما حملاً للواء، وحفظِ العهد، وبذلِ نفسهِ في سبيلِ أخيهِ وإمامِ زمانه، وبقيَ اسمهُ في قلوبِ الناسِ عنوانا للأمانةِ والوفاء، سلام على أبي الفضل؛ فقدْ ماتَ جسدهُ في كربلاء، لكنَ الوفاءَ الذي حملهُ بقيَ حيا في ضميرِ أمةٍ.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!