تتشابهَ أنماطَ الجرائمِ التي ارتكبتْ في سياقِ الحروب، رغمَ اختلافِ المبرراتِ التي تساقُ لتغطيتها، والتي كثيرا ما تقدمَ تحتَ عنوانِ حمايةِ الأمنِ والسلمِ الدوليينِ وفي ظلِ هذا الخطاب، بدأتْ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، وكأنها تتجاوزُ الأطرُ التي تمثلها الأممُ المتحدة، لتفرض سياساتها بالقوة، مستفيدةً منْ ضعفِ التماسكِ الدوليِ وتشابكِ المصالحِ بينَ الدول، الأمرُ الذي حدِ منْ قدرةِ المجتمعِ الدوليِ على اتخاذِ مواقفَ رادعةٍ تتجاوزُ حدودَ الإدانةِ اللفظية.
في هذا السياق، تتكررَ المآسي الإنسانيةُ بصورةٍ مؤلمة، رغمَ اختلافِ الأمكنةِ والأزمنة، ففي مدينةٍ مينابْ الإيرانية، شكلُ قصفِ القواتِ الجويةِ الأمريكيةِ في الثامنِ والعشرينَ منْ شباطَ 2026، لمدرسةِ شجرةٍ طيبةٍ فاجعةٍ إنسانيةٍ قاسية، إذْ تحولَ مكانٌ يفترضُ أنْ يكونَ ملاذٌ للعلمِ والأمانِ إلى ساحةِ موت، أودتْ بحياةٍ (168) تلميذا وفقَ الإحصاءاتِ الرسمية، أطفالٌ أبرياءُ لا صلةً لهمْ بالحرب، امتزجتْ دماؤهمْ بكتبهمْ وحقائبهمْ المدرسيةِ في مشهدٍ يختصرُ قسوةَ المأساة.
يعيدَ هذا الحدثِ إلى الأذهانِ مأساةً مشابهةً في بغداد، ومنْ أكثرِ المحطاتِ دمويةً في تاريخِ العراقِ الحديث،- وتحديدا- خلالَ قصفِ ملجأِ العامرية في الثالثِ عشرَ منْ شباطَ عامَ 1991، إبانَ حربِ الخليجِ الثانيةِ منْ قبلِ القواتِ الجويةِ الأمريكيةِ بطائرتينِ منْ (نوعُ أف- 117) تحملاً قنابلَ ذكية، أدتْ إلى تدميرِ الملجأِ ومقتلِ أكثرَ منْ 400 مدنيٍ عراقيٍ منْ الأطفالِ والنساءِ .
وهكذا تتشابهُ المآسي ، حيثُ يكونُ الضحايا في الغالبِ منْ الأبرياء، ويظلّ الألمُ الإنسانيُ هوَ الرابطُ العميقُ الذي يتجاوزُ حدودَ المكانِ والزمان، فالقاسمُ المشتركُ بينَ هذهِ المآسي لا يقتصرُ على حجمِ الخسائر، بلْ يمتدُ إلى طبيعةِ الضحايا أنفسهم: الأطفالُ ، النساء، وكبارُ السن، أولئكَ الذينَ لا يملكونَ قدرةٌ على الدفاعِ عنْ أنفسهم، ولا دورَ لهمْ في إشعالِ الحروبِ أوْ توجيهِ مساراتها، ومعَ ذلك، يكونونَ دائما أولَ منْ يدفعُ الثمن، بوصفهمْ الحلقةَ الأضعفَ في معادلةِ القسوة.
تكشفُ هذهِ الوقائعِ أنَ الحروب، مهما تنوعتْ أسبابها وتبدلتْ ذرائعها، تعيدَ إنتاجَ النتائجِ ذاتها: اغتيالُ البراءة، وترويعَ المدنيين، وتركَ ندوبٍ غائرةٍ في ذاكرةِ الشعوب، وكانَ المشهدُ يتكررُ بلا نهاية؛ يتبدلُ المكان، لكنَ الألمَ يظلُ واحدا، والضحايا همْ أنفسهم، في صورةٍ مؤلمةٍ تؤكدُ أنَ المأساةَ لمْ تجدْ بعدا منْ يوقفُ تكرارها، وأنَ الضميرَ الإنسانيَ لمْ ينجحْ في كسرِ هذهِ الدائرة.
ورغمُ اختلافِ التفسيراتِ وتعددِ المبرراتِ منْ القتلة، تبقى الحقيقةَ جليةٌ لا لبسَ فيها: إنَ المسؤوليةَ لا تتجزأ، وأنَ لكلِ نتيجةِ سببا لا يمكنُ إنكارهُ أوْ الالتفافِ عليه، فالهروبُ إلى تعددِ الأعذارِ والأخطاءِ لا يغيرُ منْ الواقعِ شيئا، بلْ يرسخُ حقيقةً أنَ الجريمةَ واحدةٌ والفاعل واحدٌ وإنْ اختلفتْ أزمانها.
ومنْ هنا، تبرزَ ضرورةَ مواجهةِ الحقيقةِ بشجاعةٍ منْ قبلِ المجتمعِ الدولي، والعملُ على إصلاحِ الخللِ في المنظومةِ العالمية. ونذكر بقوله تعالى: ( ومنْ يقتلُ مظلوما فقدْ جعلنا لوليهِ سلطانا فلا يسرفُ في القتل، إنهُ كانَ منصورا ) (الإسراء: 33) .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!