سؤالٌ حادٌّ ومؤذٍ، بل هو سؤالٌ يفتقر إلى أبسط مقومات الإنصاف. وجَّهَهُ إليَّ مجموعةٌ من الغافلين خلف أغطية مواقع التواصل الاجتماعي، فأجبتهم بكل مودة: إذا كانت نصرة الحق تعني عندهم التذيُّل، فنحن ذيولٌ منذ زمنٍ بعيد.
لم يسجل التاريخ الإنساني ذيولاً أشد بأساً من العراقيين. أتذكر أنه في عام 1846م، حين كنا تحت نير الحكم العثماني، كانت قلوب العراقيين مع الشعب المكسيكي في حربه ضد الولايات المتحدة الأمريكية، تدعو له بالنصر والسلام. وكذلك وقف العراقيون مع الإسبان عام 1898م، ثم تعاطفوا مع ألمانيا واليابان وإيطاليا في مراحل مختلفة من الصراعات الدولية، رغم أن العراق نفسه كان خاضعاً للنفوذ البريطاني.
وأصبح العراقيون من «الذيول» صعبة المراس حين عارضوا التدخل الأمريكي في كوريا، ولم يرسل العراق قوات عسكرية للقتال إلى جانب الولايات المتحدة عام 1950م. نعم، كنا ـ وفق هذا المنطق الساخر ـ ذيولاً أصيلة عندما رفضنا إرسال أي جندي عراقي لنصرة أمريكا في تلك الحرب.
وكنا «ذيولاً» للصين حين وقفنا مع حقها في مواجهة الضغوط الدولية، كما دعم العراق فيتنام سياسياً واقتصادياً خلال حربها الطويلة، وقدم لها النفط والقروض المالية والمواقف السياسية المناهضة للعدوان.
فمن يسخر نفسه لقضايا إنسانية بعيدة عن هويته الوطنية وانتمائه العربي، ماذا تريدونه أن يكون أمام القضية الفلسطينية، وهي البوصلة المركزية للوجدان العربي والإسلامي؟ هل تريدونه أن يقول: «القدس ليست قضيتي»؟
لقد اعتبر العراقيون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى، ويتجلى ذلك في مشاركة الجيش العراقي في حرب عام 1948، وفي احتضان بغداد للقمم والاجتماعات الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني ومواجهة مشاريع التسوية المجحفة.
وكذلك الحال مع الثورة الجزائرية؛ إذ قدم العراق دعماً سياسياً ومالياً كبيراً للثورة منذ انطلاقتها عام 1954، وتحولت بغداد إلى منبر عربي ودولي للتعريف بالقضية الجزائرية حتى نالت استقلالها.
كما تُرجم هذا الموقف برفض شعبي ورسمي واسع لمظاهر الهيمنة الأجنبية، ومنها معارضة «حلف بغداد» عام 1955، ومقاطعة المشاريع الاستعمارية التي سعت إلى تقسيم النفوذ في الشرق الأوسط.
ومن مدينة كربلاء المقدسة، وسائر المدن العراقية، برزت مواقف العلماء والنخب الوطنية في إصدار الفتاوى والبيانات التي تحث على التضامن مع الشعوب المستضعفة ومقاومة المحتلين أينما كانوا.
ونحن ـ والحمد لله ـ من هؤلاء «الذيول»، فقد انسجمنا مع مواقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف تجاه قضايا الشعوب المظلومة، ومنها الموقف التاريخي الداعم لنضال الشعب الليبي ضد الاستعمار، حين أصدر مراجع النجف فتاوى شهيرة تدعو المسلمين إلى الجهاد والدفاع عن الأراضي الليبية.
واليوم، هل يرى بعض رواد مواقع التواصل أن اليقظة والتحرر يكمنان في مناصرة الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يدور في فلكهما؟
لقد حمل العراق موقفاً رافضاً للحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، ووقف الشارع العراقي مع رفض الحرب ومناصرة الشعب الذي يتعرض للعدوان. وإيران، شئنا أم أبينا، دولة جارة وحليف استراتيجي وقفت إلى جانب العراق في أوقاتٍ عصيبة.
فهل يجعلنا رفض جبروت الولايات المتحدة وطغيانها ذيولاً؟ وهل يجعلنا رفض السياسات الإسرائيلية ذيولاً؟
إذا كان هذا هو تعريف التذيُّل، فليطمئنوا؛ نحن ذيولٌ للحق، وذيولٌ لكل قضية عادلة، ولسنا ذيولاً للظلم أو العدوان.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!