لم تكن تلك الكراسي الخاوية مجرد مقاعد شاغرة في قاعة الأمم المتحدة.
كانت رسالة سياسية مدوية , عندما صعد بنيامين نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة، لم يجد أمامه المشهد الذي اعتاد رؤيته في مثل هذه المناسبات: وفود تصغي ، وعدسات تراقب ، وتصفيق دبلوماسي محسوب , وجد شيئًا آخر. قاعة تنسحب منها الوفود ، ومقاعد تزداد فراغً ا، وصورة تختصر غضبًا دوليًا متصاعدًا تجاه ما يجري في فلسطين , وفي السياسة ، أحيانًا يكون الانسحاب أكثر بلاغة من ألف خطاب.
عندما تصبح مغادرة القاعة موقفًا
غادرت وفود عديدة القاعة احتجاجًا على خطاب نتنياهو وسياسات الحكومة الإسرائيلية، في مشهد حمل دلالات سياسية واضحة , لم يكن المطلوب من تلك الوفود أن تلقي خطبًا طويلة أو تصدر بيانات جديدة.
لقد قالت ببساطة: لن نجلس هنا , وهذه الجملة الصامتة كانت كافية لتحتل صور الكراسي الخاوية مساحة واسعة من المشهد , ففي عالم الدبلوماسية ، حيث تُوزن الكلمات بالجرام وتُصاغ العبارات بأقصى درجات الحذر ، جاءت المغادرة لتقول ما قد تعجز البيانات عن قوله.
لكن..ماذا عن الذين بقوا؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للجدل , ففي الوقت الذي غادرت فيه وفود 77 دولة ، منها 18 دولة عربية , بقيت وفود أخرى في أماكنها ، ومن بينها وفود دول عربية ترتبط بإسرائيل بعلاقات دبلوماسية رسمية ، مثل الإمارات والبحرين والمغرب.
وهنا لا بد من طرح السؤال بعيدًا عن الشعارات:
ماذا يعني أن تنسحب دول، بينما تختار دول عربية أخرى البقاء؟
هل هو اختلاف في أدوات السياسة؟
هل هو تمسك بقنوات الحوار؟
هل هو إيمان بأن الدبلوماسية لا تنجح إلا بالحضور حتى في لحظات الخلاف؟
أم أن الأمر يعكس اختلافًا أعمق في قراءة الحرب ومستقبل العلاقات مع إسرائيل؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات وحدها، لكنها بالتأكيد تستحق أن تُطرح بصوت عالٍ.
التطبيع أمام اختبار غزة
لقد دخلت علاقات التطبيع العربية ـ الإسرائيلية مرحلة مختلفة تمامًا بعد اندلاع الحرب في غزة , فما كان يُقدَّم قبل الحرب باعتباره صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية ، بات اليوم أمام اختبار سياسي وشعبي وأخلاقي بالغ الصعوبة, فالشارع العربي لم يتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة دبلوماسية عابرة.
بالنسبة إلى قطاعات واسعة من العرب ، فلسطين ليست بندًا في جدول أعمال مؤتمر، ولا ورقة في مفاوضات إقليمية ، ولا مجرد ملف يمكن تأجيله حتى تهدأ العاصفة.
إنها قضية حاضرة في الوجدان العربي منذ عقود.
ولهذا أصبح السؤال أكثر إلحاحًا : إلى أين يمكن أن يصل التطبيع بينما تستمر معاناة الفلسطينيين؟ وهل تستطيع العلاقات السياسية والاقتصادية أن تبقى بمنأى عن الغضب الشعبي المتزايد؟
نتنياهو والقاعة التي تكلمت بالصمت
ربما كان أكثر ما في المشهد دلالة أن نتنياهو لم يكن بحاجة إلى خصم يقاطعه من المنصة .
لقد تكفلت المقاعد الفارغة بالمهمة , كل مقعد غادره صاحبه تحول إلى صورة.
وكل وفد انسحب ترك وراءه سؤالًا , وكل دولة بقيت في مكانها أصبحت بدورها موضع تساؤل , وهكذا تحولت جلسة يفترض أن تكون مناسبة لعرض المواقف السياسية إلى مشهد بصري تختصره صورة واحدة: نتنياهو يتحدث، والقاعة تتسع للغياب.
وهنا تكمن قوة الصورة , فالخطاب يمكن أن يختلف الناس حول تفسيره، لكن الكراسي الخاوية لا تحتاج إلى مترجم.
ليست المسألة في الكراسي وحدها
ومع ذلك، فإن اختزال القضية كلها في من خرج ومن بقي قد يكون تبسيطًا لمشهد أكثر تعقيدًا , فالسياسة الدولية لا تتحرك دائمًا وفق معيار واحد، والدول التي غادرت القاعة قد تختلف في أهدافها وحساباتها ، كما أن الدول التي بقيت قد تقول إن وجودها جزء من العمل الدبلوماسي والحوار السياسي , لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن الصورة كشفت حجم الانقسام حول إسرائيل وحرب غزة ، وأعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الدولي , وهذا بحد ذاته حدث سياسي يستحق التوقف عنده.
الشعوب لا تنسى
بعيدًا عن حسابات الحكومات ، هناك ذاكرة أخرى تعمل في المنطقة : ذاكرة الشعوب.
والشعوب لا تقرأ دائمًا البيانات الرسمية بالطريقة التي تقرأها العواصم .
إنها ترى الصور , ترى الأطفال تحت الأنقاض , ترى المستشفيات المدمرة , ترى النازحين.
وتسمع خطابات السياسيين,.ثم تقارن بين الاثنين , ولهذا فإن الفجوة بين ما تقوله الحكومات وما يشعر به الشارع أصبحت واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.
الكرسي الفارغ.. والكرسي الذي بقي
في النهاية ، لم تكن القصة قصة كراسٍ , كانت قصة مواقف , كرسي غادره صاحبه يمكن أن يصبح رسالة , وكرسي بقي فيه صاحبه يمكن أن يصبح سؤالًا , وبين الرسالة والسؤال، بقيت فلسطين حاضرة , قد تنتهي جلسة الأمم المتحدة ، وقد تغلق الأبواب، وقد تنطفئ أضواء القاعة، لكن السؤال سيبقى خارجها:
هل تستطيع المنطقة أن تمضي نحو علاقات طبيعية ومستقرة ، بينما تبقى القضية الفلسطينية بلا حل ، وتستمر صور الحرب والدمار والضحايا في الذاكرة العربية والعالمية؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي , أما الكراسي الخاوية التي ظهرت خلف نتنياهو، فقد قالت شيئًا واحدًا على الأقل : إن هناك عالمًا لم يعد مستعدًا للنظر إلى الحرب من المقعد نفسه , والتاريخ، في النهاية، لا يتذكر الخطب وحدها.,بل يتذكر أيضًا من بقي في القاعة ، ومن غادره ا، ولماذا؟


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!