منذ 28 شباط 2026، عندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا جوية واسعة على إيران، دخل الخليج مرحلةً جديدة لا يُقاس فيها ميزان القوة بمن حقق نصرًا عسكريًا، بل بمن يمتلك القدرة على التحكم في الممرات البحرية، والبقاء متحكمًا في تدفق الطاقة.
بدأت القصة بإغلاق مزدوج غير مسبوق؛ فبعد ساعات من بدء الضربات، أعلن الحرس الثوري الإيراني منع العبور في مضيق هرمز، وبدأ زرع ألغام بحرية واحتجاز سفن، لتنخفض حركة الناقلات أولًا بنحو 70%، ثم تصل إلى شبه التوقف، مع بقاء نحو ألفي سفينة عالقة داخل الخليج.
هذا المضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 25% من النفط المنقول بحرًا، و20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، أصبح مغلقًا عمليًا.
وفي المقابل، فرضت واشنطن، منذ 13 نيسان، حصارًا بحريًا شاملًا على الموانئ الإيرانية، ليتحول المشهد إلى حصارين متقابلين يمنعان التجارة من الجانبين.
وأوضحت طهران أنها لن تعيد فتح المضيق إلا إذا نفذت واشنطن شروطًا تشمل وقف الحرب، ورفع الحصار، والإفراج عن الأصول المجمدة، والالتزام بمذكرة التفاهم الموقعة في حزيران. وهو موقف أكده كبير المفاوضين الإيرانيين، مشددًا على أنه لا عودة إلى ظروف التفاوض السابقة من دون تنفيذ تلك المطالب.
من هرمز إلى باب المندب
لم يبقَ التهديد محصورًا في الخليج، بل تمدد جنوبًا نحو باب المندب. فقد نقلت وكالات إيرانية أن خطة وُضعت بالتنسيق مع حلفاء طهران في المنطقة، تقضي بإغلاق هرمز بالكامل وتنشيط جبهات أخرى لمعاقبة إسرائيل وداعميها، وكان في مقدمتها باب المندب.
وحذّر الحوثيون في اليمن، الذين أعلنوا مشاركتهم في العمليات عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، من أن أي تصعيد أميركي سينعكس مباشرة على سلاسل التوريد وأسعار الطاقة، في إشارة واضحة إلى قدرتهم على تعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
وتكمن أهمية باب المندب في كونه الرابط بين خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس، ويمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية؛ ما يعني أن تعطيله بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز سيؤدي إلى إغلاق المخرجين الشمالي والجنوبي للطاقة الخليجية.
ثلاث حقائق قاسية أمام دول الخليج
في خضم هذا المشهد، وجدت دول الخليج نفسها أمام ثلاث حقائق قاسية.
الحقيقة الأولى أن المظلة الأمنية الأميركية، على الرغم من تفوقها العسكري، لم تنجح حتى الآن في إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وانتقلت واشنطن من العمليات العسكرية المباشرة إلى استراتيجية الضغط الاقتصادي والحصار.
أما الحقيقة الثانية فهي أن البدائل البرية محدودة، وباتت مهددة بدورها. فخط الأنابيب السعودي «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، وكان يُعد شريان الحياة للتحوط من إغلاق هرمز، أصبح هو الآخر في مرمى الاستهداف، في ظل التوتر في البحر الأحمر وسيطرة الحوثيين على الساحل الغربي.
وتتمثل الحقيقة الثالثة في أن الكلفة الاقتصادية أصبحت مباشرة ومؤلمة؛ فقد رفع إغلاق الممرين أسعار النفط إلى ما فوق مئة دولار، وأوصل أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، كما أثّر في إيرادات قناة السويس، التي سبق أن تراجعت خلال أزمات مشابهة من ثمانية مليارات إلى 3.6 مليارات دولار.
تنويع الضمانات الأمنية
أمام هذا الواقع، لا تتجه العواصم الخليجية إلى استبدال واشنطن، بل إلى تنويع ضماناتها الأمنية.
فبدلًا من الاكتفاء بالردع الأميركي، فُتح مسار الوساطة العُمانية–القطرية، حيث تجري مباحثات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إنشاء ممر ملاحي مؤقت ومشترك، وتنفيذ مشروع لإزالة الألغام.
كما نشطت القنوات الآسيوية؛ فحافظت الصين على جزء من حركتها النفطية عبر موافقات استثنائية، فيما استضافت باكستان محادثات حزيران التي مهّدت لمذكرة إسلام آباد.
وفي المقابل، طرح الحرس الثوري الإيراني معادلة «للجميع أو لا أحد»، بمعنى أن صادرات الطاقة في المنطقة إما أن تكون متاحة للجميع، أو تتعطل أمام الجميع. وهي معادلة تضع ضغطًا متزايدًا على جميع الأطراف لإيجاد تسوية.
تحالف قائم لم يعد كافيًا
تتمثل النتيجة في أن دول الخليج لا تخرج من تحالفها مع واشنطن، لكنها لم تعد تعتبره كافيًا بمفرده لضمان حرية الملاحة.
وتقوم الاستراتيجية الجديدة على الإبقاء على المظلة الأميركية، بالتزامن مع فتح قنوات تهدئة مباشرة مع طهران، والاستثمار في الوساطات الإقليمية، وتنويع شركاء الدفاع والطاقة؛ حتى لا يبقى أمن دول الخليج واقتصاداتها رهينةً لمضيق واحد.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!