كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المصلحة الوطنية وأولويتها أمام النص الدستوري: قراءة قانونية  في ضوء قرار المحكمة الاتحادية الصادر في 17/11/2025

   أثار قرار المحكمة الاتحادية التفسيري بالعدد (  213 / اتحادية / في17 / 11 / 2025. بناء على طلب السيد رئيس الجمهورية الخاص بتفسير المادة (56) من دستور جمهورية العراق لعام 2005، جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والسياسية العراقية. فقد قضت المحكمة بأن الدورة الدستورية للبرلمان السابق تنتهي بمجرد إجراء الانتخابات العامة، وأن الحكومة بعد هذا التاريخ تتحول إلى حكومة تصريف أعمال لحين استكمال الإجراءات الدستورية لانعقاد البرلمان الجديد وتشكيل الحكومة المقبلة.
أن هذا القرار، بقدر ما شكّل منعطفًا في تفسير النصوص الدستورية، فتح الباب واسعًا أمام نقاش قانوني عميق بين من عدّه مخالفًا للدستور العراقي، وبين من رأى، أنّه قرار جاء استجابة لضرورات وطنية عليا تفوق الاعتبارات الشكلية للنصوص.
أولًا: الاتجاه المعارض… التمسك بحرفية النص الدستوري.
  يرى أصحاب هذا الاتجاه؛ أنّ المحكمة الاتحادية، قد تجاوزت حدود تفسيرها للنصوص، معتبرين أن قرارها يتعارض مع المادة (96 ) من الدستور التي تحدد اختصاصات المحكمة ولا تمنحها صلاحية تعديل أو تعطيل النصوص الدستورية المتعلقة بمواعيد انتهاء ولاية البرلمان أو طبيعة عمل الحكومة بعد الانتخابات. وكذلك، يتعارض مع نص المادة (٥٦) من الدستور على أن ( أولاً ـ تكون مدة الدورة الانتخابية اربع سنوات تقويمية تبدأ باول جلسة له وتنتهي بنهاية السنة الرابعة . ثانياـ يجري انتخاب مجلس النواب الجديد قبل خمسة وأربعين يوما من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية السابقة). 
ويرتكز هذا الرأي على قاعدتين دستوريتين أساسيتين:
-    استمرار البرلمان في صلاحياته حتى الجلسة الأولى للدورة اللاحقة. 
-    استمرار الحكومة بصلاحيات كاملة حتى تشكيل حكومة جديدة ونيلها الثقة. 
وبناءً عليه، فإن أي تفسير يخالف هذه القواعد يُعد — وفق رأيهم — تجاوزًا للنص الدستوري وتعديًا على مبدأ الفصل بين السلطات.
ثانيًا: الاتجاه المؤيد… المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشكلية.
  على الجانب الآخر، قدّم المؤيدون للقرار مقاربة مختلفة تقوم على مبدأ مفاده أن:
- المصلحة الوطنية العليا تمثل الهدف الأسمى للنظام الدستوري، وهي الغاية التي وُضعت الدساتير أصلًا لخدمتها وحمايتها. 
-  أن الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد تتطلب تحييد السلطات المنتهية ولايتها تجنبًا لأي تضارب في الشرعية، ولمنع اتخاذ قرارات جوهرية قد تترتب عليها التزامات مالية وإدارية خطيرة خلال مرحلة انتقالية حساسة. 
- أن الالتزام الحرفي بالنصوص الدستورية — رغم أهميته — قد يؤدي في بعض الأحيان إلى شلل سياسي وإداري وتعطيل ملفات حيوية تمس مصالح المواطنين والدولة، وهو ما يتعارض مع روح الدستور ومقاصده العامة. 
-  ومن هذا المنطلق، فإن قرار المحكمة الاتحادية جاء لينسجم مع: مبدأ استمرارية الدولة وليس استمرارية الأشخاص أو السلطات، وحماية المال العام ومنع اتخاذ قرارات استراتيجية من حكومة أو برلمان فقدا شرعيتهما الزمنية. 
- تعزيز الانتقال السلمي للسلطة عبر تصريف أعمال محدود لحين استكمال الاستحقاقات الدستورية.
إن قرار المحكمة — سواء اتفق معه المرء أم خالفه — يمثل فرصة لإعادة تقييم النظام الدستوري العراقي، ويفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير في كيفية التعامل مع الفراغات الدستورية والظروف الاستثنائية بما يحقق استقرار الدولة ويحمي مصالحها العليا.

المحكمة.jpg

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!